اعرف أكثر: أزمة تمويل مفوضية اللاجئين في مصر تهدد حياة مئات الآلاف

تشهد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في مصر أزمة تمويل غير مسبوقة خلال عام 2025، تسببت في تقليص واسع النطاق للبرامج والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من اللاجئين، خصوصًا الفارين من السودان. تأتي هذه الأزمة في وقت حرج يشهد فيه عدد اللاجئين في مصر نموًّا بينما يتراجع التمويل الدولي بوتيرة عالية.

فجوة تمويلية كارثية وأثر ملموس على الخدمات

حتى نهاية إبريل 2025، لم تحصل المفوضية سوى على 26% من التمويل المطلوب، أي ما يعادل 35.8 مليون دولار من أصل 137.7 مليون دولار أمريكي خُصصت لعملياتها في مصر هذا العام، وهو ما يمثل فجوة تمويلية تتجاوز 100 مليون دولار. وقد أدى ذلك إلى:

  • تعليق جميع أشكال العلاج الطبي غير الطارئ للاجئين وطالبي اللجوء، بما يشمل العمليات الجراحية المجدولة وعلاجات الأمراض المزمنة، مثل السرطان وأمراض القلب والسكري، مما أثر بشكل مباشر في أكثر من 20 ألف لاجئ.
  • تقليص كبير في برامج المساعدات النقدية متعددة الأغراض، التي كانت تخدم أكثر من 81 ألف لاجئ. بدءًا من مايو 2025، تم استبعاد نحو 2,000 أسرة (ما يعادل 6 آلاف فرد)، مع تحذيرات من استمرار التقليص إن لم يتوفر دعم مالي إضافي.
  • إغلاق مركز تسجيل الزمالك بالقاهرة في 30 إبريل 2025، ما زاد الضغط على المركز الرئيسي الوحيد المتبقي في مدينة 6 أكتوبر، وأدى إلى تأخير كبير في خدمات التسجيل وتحديث البيانات.

يرجع النقص الحاد في تمويل مفوضية اللاجئين لعام 2025 بشكل رئيسي إلى قرار الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد أكبر ممول للمفوضية . ففي بداية عام 2025 اتخذت الإدارة الأمريكية التى يرأسها ترامب  قرارًا بتقليص جذري للمساعدات الخارجية الإنسانية بما في ذلك الأموال التي كانت موجهة لمنظمات الأمم المتحدة، ومنها مفوضية اللاجئين، وقد نتج عن هذا القرار تجميد العديد من البرامج حول العالم بما في ذلك مصر، إذ تعتمد المفوضية على التمويل الأمريكي بنسبة كبيرة كأحد مصادر تمويلها وهو ما ينعكس على البرامج التي تقدمها المفوضية مثل برامج الصحة والحماية القانونية.

“ليس هذا مجرد نقصٍ في التمويل – بل إنه أزمة مسؤولية. وسوف تقاس تكلفة التقاعس بمستويات المعاناة وعدم الاستقرار وضياع المستقبل التي تنجم عنه”

يقول فيليبو غراندي المفوض السامي للأمم المتحدة لشئون اللاجئين في بيان

وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد تلقت تبرعاتٍ تجاوزت ملياري دولار أمريكي من الولايات المتحدة في عام 2024 أي ما يعدل 40% من تبرعاتها حسب رويترز.

في عام 2022 كانت الولايات المتحدة أكبر مساهم في تمويل الأمم المتحدة ، وخصّصت لـUNHCR نحو 12٪ من إجمالي تمويلها، ضمن قيمة إجمالية بلغت نحو 18.1 مليار دولار للنظام ككل.

في 2025 لم يسجل سوى حوالي 391.9 مليون دولار من التمويل الأميركي للمفوضية حتى الآن، بما يمثل انخفاضًا حادًّا بنحو 80٪ مقارنة بتمويل 2024.

حجم مساهمات الولايات المتحدة الأمريكية للمفوضية حسب المفوضية من 2016 حتى 2025

وفقًا لتقرير UNHCR Underfunding حتى نهاية مايو 2025: الميزانية العالمية للمفوضية بلغت 10.632 مليار دولار، بينما التمويل المتوفر كان 2.455 مليار دولار فقط، أي تمويل بنسبة 23%، ما يعني أن هناك فجوة عالمية تبلغ 77% من الاحتياج. على الرغم من أن هذه بيانات عالمية، إلا أنها تنعكس على العمليات في مصر ضمن السياق الإقليمي والعالمي.

وبلغ تمويل المفوضية في مصر في عام 2022 مبلغ 45 مليون دولار، وكانت تغطي 288,524 لاجئًا، ليكون نصيب الفرد 156 دولارًا.

وفي 2023 بلغ تمويلها 54.2 مليون دولار، وكانت تغطي 472,751 لاجئًا، ليكون نصيب الفرد 115 دولارًا.

أما في 2024 بلغ تمويلها 65.5 مليون دولار، وكانت تغطي 877,012 لاجئًا، ليكون نصيب الفرد 75 دولارًا.

وفي 2025 جمعت مبلغ 35.8 مليون دولار، وتغطي المفوضية 966,437 لاجئًا، وذلك حتى 12 مايو 2025، ليكون نصيب الفرد 37 دولارًا.

ردود فعل وتحذيرات

 

الرسم الخطي الأول: يُظهر تطور التمويل الإجمالي (بالمليون دولار) سنويًّا، إذ لوحظ ارتفاع تدريجي حتى عام 2024، يليه انخفاض حاد في 2025.

الرسم العمودي الثاني: يوضح التراجع في نصيب الفرد من التمويل، من 156 دولارًا في 2022 إلى 37 دولارًا فقط في 2025، رغم تزايد عدد اللاجئين، ما يعكس الضغوط الكبيرة على موارد المفوضية مع تزايد أعداد اللاجئين.

التمويل الإجمالي ارتفع بين 2022 و2024، لكنه انخفض بشكل حاد في 2025.

 تفاقم الأزمة

في تصريح أدلى به نور خليل، المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر، أكد أن “القرار سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية الصعبة للاجئين، إذ باتوا محاصرين بين صعاب تقنين أوضاعهم القانونية وصعاب الحصول على الخدمات الأساسية”. وأضاف أن “المفوضية كانت قد أوقفت، في وقت سابق، خدمات الطوارئ الطبية التي تقدمها عبر شركاء محليين، موجِّهة المرضى إلى المستشفيات العامة، التي تشترط في الغالب وجود تصريح إقامة، وهو أمر غير متاح لكثير من اللاجئين”.

واقع صادم: 3 دولارات شهريًّا للفرد

في ظل التمويل الحالي، فإن المتوسط السنوي للدعم الذي يحصل عليه كل لاجئ في مصر لا يتجاوز 37 دولارًا سنويًا، أي ما يعادل 3.1 دولار شهريًا فقط وهو مبلغ لا يكفي حتى لتأمين وجبة يومية، ناهيك عن الرعاية الصحية أو الإيجار أو التعليم أو الأدوية.

أعداد اللاجئين في تصاعد مقابل تراجع في التمويل

بحسب تقارير المفوضية، فإن عدد اللاجئين المسجلين في مصر ارتفع من 288,524 في 2022 إلى أكثر من 966,000 لاجئ في 2025، أي بنسبة تفوق 230%. في الوقت نفسه، تراجع التمويل إلى أقل من نصف ما كان عليه قبل عدة سنوات.

جدير بالذكر أن مصر تستضيف كذلك أكثر من 1.5 مليون سوداني (مسجلين وغير مسجلين)، ما يجعلها من أكبر الدول المستقبلة للاجئين السودانيين في العالم، في ظل غياب شبه كامل للدعم الدولي المنسق.

تداعيات إنسانية وأمنية واقتصادية

يتعدى أثر هذه الأزمة الطابع الإنساني ليشمل أبعادًا أمنية واقتصادية إقليمية. إذ ترى المفوضية أن استمرار تقليص الدعم يعزز من احتمالية:

  • ارتفاع مستويات الفقر والعنف داخل مجتمعات اللاجئين.
  • لجوء مزيد من الأفراد إلى الهجرة غير الآمنة، سواء داخل مصر أو نحو أوروبا.
  • زيادة الضغط على المجتمعات المستضيفة، خصوصًا في المدن الكبرى التي تعاني أساسًا من تحديات بنية تحتية وخدمات.
  • انتشار الأمراض نتيجة توقف الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية.

أطلقت المفوضية نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي والدول المانحة لتقديم تمويل فوري، منبهةً إلى أن كل يوم تأخير في الدعم يترجم إلى مزيد من المعاناة وربما فقدان الأرواح. ودعت الدول إلى الالتزام بمسؤولياتها الإنسانية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، وتقديم دعم مستدام ومتوازن يمكن من خلاله الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية.

إن أزمة التمويل التي تواجهها مفوضية اللاجئين في مصر ليست مجرد أرقام، بل تمس حياة مئات الآلاف من الأشخاص الذين فقدوا منازلهم وأمنهم وحقوقهم. وتجاهل هذه الأزمة لن يهدد فقط اللاجئين، بل سيؤثر على الاستقرار المجتمعي والاقتصادي للمنطقة ككل.

دعم اللاجئين هو مسؤولية عالمية مشتركة لا يمكن أن تتحملها الدول المضيفة وحدها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأزمات نزوح جماعي كالأزمة السودانية. إن مستقبل اللاجئين في مصر الآن مرهون بمدى استجابة العالم لهذا النداء العاجل.