تشير أحدث التقارير الدولية الصادرة في يوليو وأغسطس 2025 إلى أن قطاع غزة يواجه مجاعة مؤكدة وفق تصنيف “المرحلة الخامسة” الصادر عن نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC). فقد خلصت لجنة مراجعة المجاعة التابعة لـIPC إلى أن غزة دخلت رسميًّا مرحلة المجاعة، مع تجاوز المؤشرات الحد الأدنى المطلوب من حيث ندرة الغذاء، وسوء التغذية الحاد، وارتفاع معدلات الوفيات، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تُرصد فيها مجاعة في الشرق الأوسط.
في ضوء تحديات حقيقية جمعت بيانات غير مباشرة مثل معدلات الوفيات وقيود استهلاك الغذاء، أشار التقرير إلى أن المنهجية اعتمدت على توافق دقيق بين مصادر متعددة -بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والجهات الدولية- لتأكيد تجاوز عتبات المجاعة حتى في غياب بيانات ميدانية متكاملة. وقد شكّل هذا التلاقي التوثيقي عنصرًا بالغ الأهمية في دعم صدقية التصنيف، خصوصًا أنه حدث في ظل صعوبات كبيرة في الوصول إلى بعض المناطق بسبب القيود الأمنية والميدانية.
كما أبرز التقرير كيف أن انهيار النظام الغذائي المحلي في غزة لم يقتصر على تدمير البنية التحتية وإنما تجاوزه نحو فقدان القدرة على إنتاج الغذاء ذاته. فالحقول والمشاريع الزراعية والمنشآت الإنتاجية -بما فيها المخابز والمخازن- تعرّضت لأضرار واسعة أو توقف تام، فضلا عن استهداف مباشر للثروة الحيوانية، ما جعل السكان يعتمدون كليًّا على المساعدات الخارجية. في هذا السياق، شدد التقرير على أن تدهور قطاع الغذاء المحلي كان عاملًا حاسمًا في دفع الواقع نحو مرحلة تالية من المجاعة، وليس مجرد نتيجة جانبية للصراع.
وفقًا لتقرير الـ(IPC)، هناك 514 ألف إنسان في غزة يعيشون حالة مجاعة فعلية، مع توقع ارتفاع العدد إلى 641 ألفًا بحلول نهاية سبتمبر المقبل، وامتداد نطاقها أكثر مما هو عليه الآن. ويؤكد هذا التقييم الفني أن الحكم يستند إلى الوقائع الميدانية لا إلى التصريحات السياسية؛ وأن أي تدفق محدود وغير كافٍ للمساعدات لا يغيّر البنية العميقة للاحتياجات الإنسانية ولا يخفض المؤشرات عن عتبات المجاعة. وتشير تقديرات الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة إلى أن كامل سكان القطاع، والبالغ عددهم 2,440,666 إنسان بينهم 1.2 مليون طفل، قد دخلوا فعليًّا المرحلة الخامسة -وهي المرحلة الأشد من الجوع- نتيجة استمرار إغلاق الاحتلال “الإسرائيلي” للمعابر ومنع إدخال الكميات المطلوبة لهذا العدد الكبير من السكان. فمنذ 27 مايو 2025، بدأ الاحتلال -تحت ضغط دولي وإعلامي واسع- بالسماح بدخول عشرات الشاحنات فقط، وهي لا تغطي سوى 14% إلى 15% من احتياجات السكان، ما يترك الغالبية الساحقة بدون غذاء كافٍ، في وقت تتزايد فيه أعداد الوفيات يومًا بعد يوم.
تصاعد الأزمة الإنسانية
بعد ما يزيد على 22 شهرًا من بدء الإبادة الجماعية المنفذة من قبل اسرائيل يعاني أكثر من نصف سكان قطاع غزة من أوضاع كارثية، تشمل الجوع الحاد، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية. وأكدت التقارير أن مدينة غزة بشكل خاص تسجل أعلى معدلات سوء التغذية، فتجاوزت بالفعل العتبات الحرجة التي تُعرّف المجاعة.
تحذيرات منظمة الصحة العالمية
في 29 يوليو 2025، أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا شديد اللهجة، موضحة أن السيناريو الأسوأ للمجاعة قد بدأ فعليًّا في غزة. وأشارت المنظمة إلى أن الوضع يتسم بندرة الغذاء على نطاق واسع، وانتشار سوء التغذية الحاد، خاصة بين الأطفال، إضافة إلى انتشار الأمراض المرتبطة بالجوع. وطالبت المنظمة بوقف فوري للعمليات العسكرية، وضمان دخول المساعدات الإنسانية بشكل آمن، واستعادة تدفق السلع التجارية، ودعم الإنتاج المحلي.
برنامج الأغذية العالمي
وأكد برنامج الأغذية العالمي أن المجاعة أصبحت واقعًا يوميًّا في غزة، حيث يعتمد السكان بشكل شبه كامل على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة. وحذر من أن الأطفال يموتون بالفعل نتيجة سوء التغذية الحاد، داعيًا المجتمع الدولي إلى تقديم دعم عاجل لتوسيع نطاق الاستجابة. وتتضمن الأولويات إنشاء مطابخ مجتمعية لتوفير وجبات ساخنة، وتوزيع طرود غذائية جاهزة، وتوفير المياه الصالحة للشرب، ودعم المخابز بالدقيق، وتأمين برامج تغذية متخصصة للحوامل والأمهات والأطفال دون سن الخامسة.
توقعات قاتمة لسوء التغذية
تشير التقديرات إلى أن نحو 132 ألف طفل تحت سن الخامسة سيعانون من سوء تغذية حاد في غزة بحلول منتصف عام 2026، وهو ضعف الرقم الذي تم تقديره قبل أشهر قليلة فقط. هذا التصاعد يعكس سرعة تفاقم الأزمة ويهدد بانهيار شامل للمنظومة الصحية والتغذوية في القطاع.
الأوضاع الصحية
في ظل تدهور الأوضاع، باتت المستشفيات في غزة على شفير الانهيار الكامل، إذ أفاد العاملون في القطاع الطبي أن المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية تعاني نقصًا حادًّا في المكمّلات الغذائية الأساسية، ما يزيد من حدة المعاناة لدى الأطفال والجرحى وكبار السن الذين يعجزون عن التعافي دون تغذية مناسبة وذلك إضافة الى نقص الأدوية والمستهلكات الطبية والتجهيزات اللازمة. بينما يشهد القطاع الصحي طفرة خطيرة في الوفيات المرتبطة بسوء التغذية، ما يؤكد أن المستشفيات لم تعد مجرد مواقع علاج بل أصبحت خطوط الدفاع الأخيرة في مواجهة الجوع.
في 23 مارس 2025، شهد جنوب غزة مأساة مروعة تمثّلت في مذبحة قتلت فيها قوات الاحتلال 15 من المسعفين والعاملين في الطوارئ، بينهم عناصر من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وعناصر الدفاع المدني وموظف يعمل مع الأمم المتحدة، كما تم استهدافهم سابقًا في سيارات إسعاف ومركبات أممية. تُشير التحقيقات إلى أن القتلى وُجدوا في مقبرة جماعية، ويُظهر هذا الهجوم الوحشي مدى استهداف الطواقم الطبية واعتبارها هدفًا في ظل تصاعد حرب الإبادة.
في إبريل 2025، أسفر قصف مستهدف على مستشفى الأهلى العربي (Al‑Ahli Arab Hospital) عن أضرار مادية كبيرة في جزء من المبنى، خاصة في قسم الطوارئ، ما أوقف عمله الحيوي تمامًا. إلى جانب ذلك، وثّق تقرير للـWHO ما بين 7 أكتوبر 2023 و11 يونيو 2025، تسجيل 735 هجومًا على قطاع الرعاية الصحية في غزة، أدّى إلى مقتل أكثر من 1,057 من مقدمي الرعاية الصحية وتدمير أو إلحاق أضرار بـ159 منشأة طبية.
في يوليو وأغسطس من عام 2025، تعرّضت مرافق منظمة الصحة العالمية في دير البلح لهجمات متعددة. فُوجئ الطاقم الطبي بتعرض مقر إقامة الموظفين ومستودعات الإمدادات لهجمات جوية ثلاثية، أدّت إلى اندلاع حرائق وتدمير واسع، فضلًا عن احتجاز اثنين من موظفي WHO واثنين من أفراد عائلاتهم خلال عملية تفتيش ميداني، بينما أُفرِج عن ثلاثة منهم لاحقًا. وفي 24 أغسطس، أعلن عن إطلاق سراح الموظف الرابع بعد أكثر من أربعة أسابيع من الاعتقال.
كما وثّقت منظمة العفو الدولية ومصادر أخرى أن عدد العاملين في المساعدات الإنسانية القتلى في عام 2025 عبر العالم قد بلغ 265 حتى أغسطس، منهم 173 في غزة، وأعلنت الأمم المتحدة أن 383 عامل إغاثة قتلوا في العام 2024، بزيادة بنسبة 31 في المئة عن العام السابق، 181 منهم في قطاع غزة، معتبرة أن هذا المعدل القياسي يشكل “إدانة مخزية” يجب أن تؤدي لوضع حد “للإفلات من العقاب”.
حتى 7 أغسطس 2025 تم استهداف 34 مستشفى بشكل كامل و91 مرفقًا صحيًا بشكل جزء وذلك بعد حدوث 772 هجومًا على الرعاية الصحية وفق who أكثر من 1,590 عاملًا صحيًا قُتلو و نحو 355 عاملًا صحيًا معتقلًا/محتجزًا حتى أوائل يوليو 2025. و هو ما وصف وفقا لخبيرات أمميات ما يحصل بـ”قتل ممنهج للعاملين في القطاع الصحي” (بمصطلح يُعرف بـ “healthocide”)، إذ نُفذت عمليات قتل متعمدة وتدمير للمراكز الطبية واحتجاز لمئات من الأطباء والمسعفين، ما أدى إلى استنزاف القدرات الطبية ضمن ما يُعد أسوأ أزمة صحية في العالم حاليًّا.
الحصار ومنع دخول المساعدات
الحصار المفروض على غزة لعب دورًا مركزيًّا في تفاقم المجاعة وتحويلها من أزمة إنسانية خطيرة إلى كارثة وجودية. فإغلاق المعابر ومنع دخول المواد الغذائية والوقود والسلع التجارية الأساسية حرم السكان من أي إمكانية للاعتماد على سلاسل التوريد الطبيعية أو الإنتاج المحلي. كما أدى منع دخول المعدات الطبية والمكملات الغذائية إلى شلل شبه كامل في قدرة المستشفيات على معالجة سوء التغذية المتفشي، خاصة بين الأطفال.
ووفق تقارير الأمم المتحدة، فإن الحصار لم يقتصر على عرقلة وصول المساعدات، بل استهدف أيضًا تدمير البنية التحتية الزراعية والمائية، ما حرم مئات الآلاف من الوصول إلى مصادر غذاء وماء آمنة. وبهذا أصبح الحصار أداة ممنهجة لتجويع السكان، ودافعًا رئيسيًّا وراء ثبوت وقوع المجاعة في غزة.
توصيات عاجلة
التقارير الدولية مجتمعة شددت على جملة من الأولويات، أبرزها:
- وقف فوري لإطلاق النار.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل واسع وآمن.
- إعادة تشغيل المرافق الصحية والمياه والطاقة.
- توسيع برامج التغذية الطارئة للأطفال والنساء.
- وضع خطة تعافٍ طويلة المدى تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي.
الأوضاع في غزة تمثل اليوم واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم، مع مجاعة مؤكدة وسوء تغذية يهدد حياة مئات الآلاف من الأطفال. هذه المأساة لا يمكن مواجهتها إلا من خلال تحرك دولي سريع وفعّال يجمع بين الاستجابة الطارئة والتخطيط طويل الأمد لضمان بقاء السكان وقدرتهم على الصمود.