تتداول منصات التواصل الاجتماعي الليبية، منذ أسابيع، منشورات مكثفة تزعم أن “حالات الإيدز في ليبيا تشهد ارتفاعًا خطيرًا”، ويذهب بعضها إلى حد الربط بين هذا الارتفاع المزعوم ووجود اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين، معتبرين أنهم “مصدر العدوى” وسبب “تفشٍ وبائي محتمل”.

يستند هذا الادعاء إلى عدة عناصر:

📌 أرقام قديمة تُشير إلى نسب إصابة مرتفعة لدى متعاطي المخدرات بالحقن.

📌 إشارات إلى “طفرات جديدة” و”فوضى صحية”.

📌 اتهام مباشر وغير موثق بأن اللاجئين والمهاجرين هم السبب الرئيسي في تفشي العدوى.

لكن، هل هذه الادعاءات صحيحة؟ وما مدى دقة ربط اللاجئين بانتشار فيروس HIV؟

التحقق والتدقيق:

1. مصدر الأرقام المتداولة

تُستند المزاعم المتكررة إلى دراسة واحدة قديمة تعود لعام 2010، أُجريت بالشراكة بين المركز الوطني لمكافحة الأمراض في ليبيا، وجامعتي ليفربول ولندن للصحة الاستوائية.

وقد شملت عينة محدودة من 328 شخصًا من متعاطي المخدرات بالحقن في طرابلس فقط، وتبيّن أن:

📌 87% من أفراد العينة كانوا مصابين بفيروس HIV.

📌 94% منهم كانوا يحملون فيروس التهاب الكبد C.

📌85% أقروا بتبادل الحقن في الأسابيع التي سبقت الدراسة.

لكن هذه الدراسة لا يمكن اعتبارها انعكاسًا للوضع العام الحالي للأسباب التالية:

📌 أُجريت قبل 14 عامًا.

📌 شملت فئة عالية الخطورة فقط.

📌 اقتصرت على العاصمة طرابلس دون تمثيل لبقية المناطق أو الشرائح الاجتماعية.

2. البيانات الرسمية الأحدث (حتى يونيو 2025)

وفقًا لبيان رسمي صادر عن المركز الوطني لمكافحة الأمراض (NCDC) في 30 يونيو 2025:

إجمالي الحالات المسجلة منذ بداية الرصد: 8,271 حالة.

الحالات الجديدة خلال عام 2024: 369 حالة (مقارنة بمتوسط سنوي مستقر يتراوح بين 330 – 350 حالة).

نسبة الانتشار العامة في المجتمع: ما بين 0.1% و0.3%، ما تزال في نطاق منخفض مقارنة بالمعايير الإقليمية والدولية.

النمط الرئيسي لانتقال العدوى حاليًّا: العلاقات الجنسية غير المحمية، وليس تعاطي المخدرات أو انتقال الدم كما في السابق.

لا توجد دلائل على “تفشٍ وبائي” أو “طفرات جديدة” للفيروس كما يُشاع.

3. هل اللاجئون والمهاجرون مصدر رئيسي للعدوى؟

الزعم بأن اللاجئين يساهمون في تفشي فيروس HIV يفتقر إلى أي أساس علمي أو وبائي.

في الواقع، تقارير برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز (UNAIDS) ومنظمة الصحة العالمية تؤكد الآتي:

الانتشار بين اللاجئين والمهاجرين لا يُعدّ أعلى من المعدل العام، بل على العكس، كثير منهم لا يخضعون لفحوصات دورية بسبب الخوف من الترحيل أو الوصم.

الهشاشة الصحية المرتبطة باللجوء لا تعني بالضرورة ارتفاع نسب الإصابة، لكنها تُظهر حاجة ملحة إلى الوصول إلى الخدمات الصحية والفحوصات المجانية.

لا توجد بيانات وطنية أو دولية تُشير إلى أن اللاجئين في ليبيا مسؤولون عن زيادة معدلات الإصابة بفيروس HIV.

ووفقًا لتقرير UNAIDS 2024، فإن أكثر من 84% من العدوى الجديدة في المنطقة تُعزى إلى:

الوصم والتمييز الاجتماعي.

غياب حملات التوعية الوقائية.

تأخر الفحص والتشخيص، ما يؤدي إلى “حالات غير مرصودة” تُسهّل الانتشار الصامت.

4.ليبيا مقارنة بالإقليم (تونس والمغرب):

نسبة انتشار فيروس HIV بين البالغين (15–49 سنة):

ليبيا: 0.1% (تقديرات 2024 – UNAIDS)

تونس: تقدر بـ0.1% (تقديرات 2023– UNAIDS)

المغرب: 0.07% (تقديرات 2023– UNAIDS)

الوضع الوبائي العام:

ليبيا: ضمن المعدلات المنخفضة عالميًّا، لكنها تعاني من ضعف التغطية الصحية والتوعوية.

تونس: تنتظم في حملات توعية وفحص، لكن البنية الصحية لا تزال في مرحلة توسّع.

المغرب: يمتلك برامج وطنية شاملة للوقاية والعلاج المجاني للفئات الأكثر عرضة.

الاستجابة الصحية:

ليبيا: تعاني من فجوة في الاستجابة، لا توجد حملات فاعلة أو برامج تستهدف الفئات المعرضة.

تونس والمغرب: لديهما برامج أكثر استقرارًا وفاعلية في مجال الوقاية والفحص المبكر.

الموقع من المتوسط العالمي:

كل من ليبيا، تونس، والمغرب تقع دون المتوسط العالمي لنسبة الانتشار، الذي يُقدّر عالميًّا بنحو 0.7%.

التحديات المشتركة:

جميع الدول الثلاث تواجه تحديات تتعلق بـ: الوصم الاجتماعي – ضعف الفحص الطوعي – نقص التغطية الإعلامية المستمرة

الرسم البياني يعرض مقارنة بين نسب انتشار فيروس HIV بين البالغين (15-49 سنة) في عام 2023-2024 وفقًا لبيانات UNAIDS

5.التأثير الاجتماعي:

لا يزال الوصم المرتبط بالإيدز يمثل عقبة كبرى أمام الفحص المبكر والعلاج:

يمنع الكثيرين من إجراء الفحوصات.

يؤدي إلى حالات “كشف متأخرة” وغير مرصودة رسميًّا.

يخلق بيئة من التمييز في الرعاية الصحية، أحيانًا تنتهك الخصوصية.

على الرغم من تحوّل نمط العدوى، لم يُعلن عن:

حملات توعية وطنية في 2024.

برامج تستهدف الفئات عالية الخطورة.

محتوى توعوي مستمر في الإعلام المحلي.

غياب هذه العناصر يترك المجال مفتوحًا أمام انتشار صامت الفيروس مع أن الإيدز ليس وصمة. بل مرض مزمن يمكن التعايش معه، إذا توفرت الوقاية والدعم والوضوح.

تقييم الادعاء:

الزعم بارتفاع كبير في حالات الإيدز

مضلل

البيانات الرسمية تشير إلى ارتفاع طفيف بعدد الحالات الجديدة (369 حالة في 2024 مقابل 330–350 في السنوات السابقة).

لا توجد مؤشرات على “تفشٍ وبائي” أو “انفجار في الأرقام”.

الاستناد إلى أرقام قديمة من دراسة 2010

مضلل

الدراسة أُجريت قبل 14 عامًا، في طرابلس فقط، على فئة محددة (متعاطو المخدرات بالحقن).

لا تمثل الوضع العام الحالي في ليبيا.

الادعاء بوجود طفرات جديدة للفيروس

كاذب

لم تُسجل أي طفرات جديدة لفيروس HIV في ليبيا حسب تقارير 2025 الصادرة عن NCDC وUNAIDS.

الربط بين اللاجئين وارتفاع الإصابات

كاذب

لا توجد أي دلائل أو بيانات علمية أو رسمية تُثبت أن اللاجئين أو المهاجرين سبب في زيادة الإصابات.

UNAIDS تؤكد أن الوصم والتمييز يمنع اللاجئين من الوصول إلى الرعاية، وليس العكس.

الادعاء بأن “الوضع خارج السيطرة”

كاذب

نسبة الانتشار العام ما زالت تتراوح بين 0.1% و0.3%، وهي ضمن الحدود الإقليمية المقبولة.