في مفارقة لافتة، أعلن مكتب النائب العام الليبي الأحد 21 يونيو 2026 صدور حكم بالسجن بحق أسامة المصري نجيم، الذي تطالب به المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من محكمة جنايات طرابلس، دون أن يُسمَّى صراحةً في البيان الرسمي، ودون أي إجابة على السؤال المحوري هل سيُسلَّم إلى لاهاي؟
الحكم
أعلن النائب العام الصديق الصور أن محكمة جنايات طرابلس أدانت “مسؤول إدارة العمليات والأمن القضائي” وقضت عليه بالسجن سبع سنوات وأربعة أشهر، إلى جانب إفقاده أهليته القانونية وحرمانه من حقوقه المدنية طوال فترة تنفيذ العقوبة ولمدة عام بعد انقضائها.
ولافتٌ أن مكتب النائب العام أوضح عبر صفحته على فيسبوك أن محكمة الجنايات الليبية أصدرت حكمها “ضمن نطاق الولاية القضائية الوطنية”، في صياغة تبدو مقصودة لتأطير القضية باعتبارها شأنًا داخليًّا بعيدًا عن الاختصاص الدولي.
وقالت النيابة إن الدعوى العمومية أُقيمت بسبب انتهاك حقوق نزلاء مؤسسة الإصلاح والتأهيل – طرابلس الرئيسية، ممن أبلغوا النيابة بتعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية والمهينة.
غير أن البيان الذي لم يتجاوز سبعة أسطر لم يذكر اسم المحكوم عليه صراحةً، ولم يُحدِّد هوية القاضي الذي أصدر الحكم، ولا إذا كانت المحاكمة حضورية أم غيابية، ولا الجهة المنوط بها تنفيذ العقوبة.
من هو أسامة المصري نجيم؟
عُيِّن نجيم عام 2021 مديرًا لمؤسسة الإصلاح والتأهيل التابعة للشرطة القضائية بوزارة العدل في طرابلس، وفي أثناء شغله منصبه أشرف على السجون التي كانت اسميًّا تحت إشراف الشرطة القضائية، فضلًا عن ترؤسه الشرطة القضائية في سجن معيتيقة منذ عام 2016.
وتشمل التهم الموجهة إليه أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفق مذكرة التوقيف الصادرة في يناير 2025، جرائم الحرب المتمثلة في الإهانة والمعاملة القاسية والتعذيب والعنف الجنسي والقتل والاغتصاب، التي ارتُكبت منذ فبراير 2015 داخل سجن معيتيقة.
الخط الزمني الكامل: من تورينو إلى طرابلس إلى لاهاي (وعودة)
19 يناير 2025: أُلقي القبض على أسامة المصري نجيم في إيطاليا، وهو المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، بما في ذلك المهاجرين. أفرجت عنه السلطات الإيطالية بعد يومين “لأسباب إجرائية” تتعلق بالاعتقال، وأعادته إلى ليبيا على متن طائرة تابعة للدولة الإيطالية.
يناير- فبراير 2025: وفق ما كشفته وثائق رسمية، فتح رئيس نيابة روما تحقيقًا مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ووزير العدل ووزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات في ما يتعلق بالإفراج عن نجيم واستخدام طائرة تابعة للحكومة الإيطالية لإعادته.
مايو 2025: أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة عزل أسامة نجيم من مهامه، وقال في خطاب متلفز: “تفاجأنا بتقرير محكمة الجنايات الدولية عن جرائم أسامة نجيم المسؤول عن السجون، فكيف نأتمن من اغتصب فتاة بعمر 14 عامًا”.
أكتوبر 2025: خلص قضاة المحكمة الجنائية الدولية إلى أن إيطاليا أخلت بالتزامها بالتعاون مع المحكمة.
5 نوفمبر 2025: أعلن النائب العام الليبي حبس أسامة نجيم بتهم انتهاك حقوق نزلاء مؤسسة الإصلاح والتأهيل بطرابلس، وتعرضهم للتعذيب ومعاملتهم بطريقة قاسية ومهينة، والتسبب في وفاة نزيل نتيجة التعذيب.
يناير 2026: أحال قضاة المحكمة الجنائية الدولية القضية إلى الدول الأعضاء في المحكمة للمزيد من الإجراءات.
أبريل 2026: دعت المحكمة الجنائية الدولية ممثلًا عن إيطاليا إلى اجتماع مكتب جمعية الدول الأطراف في الأول من أبريل لمناقشة تداعيات قرار عدم التعاون وتقديم وجهة نظرها حول كيفية تعاونها مع المحكمة مستقبلًا.
21يونيو 2026: أصدرت محكمة جنايات طرابلس حكمًا بالسجن لمدة سبع سنوات وأربعة أشهر بحق أسامة نجيم، في وقت لا يزال فيه ضمن قائمة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية التي تطالب بتسليمه على خلفية اتهامات أخرى مرتبطة بانتهاكات حقوقية.
قضية الهيشري
لفهم أبعاد قضية نجيم، لا يمكن فصلها عن مسار قضية مرتبطة تجري في لاهاي الآن. باشرت المحكمة الجنائية الدولية جلسات استماع تمتد ثلاثة أيام بحق خالد محمد علي الهيشري البالغ من العمر 47 عامًا، ويواجه 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية يُعتقد بأنها ارتُكبت في سجن معيتيقة قرب العاصمة الليبية طرابلس بين فبراير 2015 ومطلع العام 2020.
يُعدّ هذا الملف أول قضية كبرى تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية بعد مرور 15 عامًا على فتح التحقيقات في الجرائم المرتكبة عقب مقتل القذافي، وللمرة الأولى يُتوقع أن تكشف جلسات المحكمة تفاصيل المنظومة الليبية المتهمة بقتل وتعذيب وترهيب عشرات الآلاف من المهاجرين.
ترى المحكمة أن قيادات ميليشيا “الردع”، ومن بينهم الهيشري وأسامة المصري وزعيم الميليشيا عبد الرؤوف كارة، كانوا يمارسون الانتهاكات “من دون خشية من أي عواقب”، وهذا ما يربط بين الهيشري والمصري
غطاء قانوني أم عدالة حقيقية؟
الخشية التي يُعرب عنها المراقبون الدوليون واضحة: هل يُمثل الحكم المحلي الصادر اليوم مسعى لإغلاق الملف الدولي؟
المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة ملاذ أخير، ولا تتدخل إلا عندما لا تنفّذ السلطات الوطنية إجراءات قضائية حقيقية. وهذا بالضبط ما يجعل التساؤل مشروعًا: هل إدانته محليًّا بتهم انتهاك حقوق السجناء -وهي تهم أضيق بكثير من تهم الجنائية الدولية التي تشمل الاغتصاب والقتل والإخفاء القسري- كافية لإسقاط الولاية الدولية؟
تعهدت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان بمواصلة التركيز على ضمان اعتقال نجيم ونقله للمحاكمة أمام المحكمة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها في سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي.
في 26 يناير الماضي، طلب قضاة المحكمة الجنائية الدولية من الدول الأعضاء مساءلة إيطاليا عن رفضها تسليم نجيم حين كان في قبضتها. وتمثل هذه سابقة ثانية بعد إحالة المجر على خلفية عدم اعتقالها رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي الإيطالي، وصف معارضون من الحزب الديمقراطي اعتقال ليبيا لنجيم بأنه “وصمة على مؤسساتنا وصورة إيطاليا أمام العالم، إذ باتت ليبيا تُثبت أنها متقدمة على بلدنا في الدفاع عن العدالة والشرعية”.
وفقًا لبعض المحللين، قد لا يمثل الحكم الصادر بحق الجنرال المصري عملًا فعليًّا من أعمال العدالة تجاه الضحايا، بل قد يكون في الحقيقة خطوة إستراتيجية من حكومة طرابلس تهدف إلى تفادي تدخل محتمل من المحكمة الجنائية الدولية.
بموجب مبدأ التكامل، لا يحق للمحكمة الجنائية الدولية المضي في الملاحقة القضائية إذا كانت هناك إجراءات قضائية وطنية كافية. والآن على المحكمة أن تحدد إذا كانت الإجراءات الليبية تستوفي هذا الشرط فعلًا. والسياق هنا هو ليبيا المجزَّأة بين الميليشيات والحكومات المتنافسة. المصري ينتمي إلى الردع، وهي واحدة من أقوى التشكيلات المسلحة وتكون كثيرًا في توتر مع رئيس الوزراء الدبيبة. لذا يبدو الحكم وكأنه تسوية داخلية: معاقبة “الجلاد” دون تسليمه فعلًا للعدالة الدولية، لا سيما بعد أن قبلت ليبيا عام 2025 اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تحت ضغوط خارجية شديدة.
ما تبقى من أسئلة مفتوحة
وفق معطيات مرصد الهجرة واللجوء، تظل الملفات الآتية عالقة دون إجابات:
- الهوية والإجراءات: لم يُكشف عن اسم القاضي مُصدر الحكم، ولا عن طبيعة الحكم (حضوري أم غيابي).
- التنفيذ: أشار النائب العام إلى أن المتهم أُحيل إلى غرفة الاتهام بمحكمة شرق طرابلس الابتدائية، وأن التحقيقات لا تزال متواصلة لتحديد المسؤوليات القانونية لبقية الأطراف المتورطة.
- مصير التسليم: بموجب قرار السلطات الليبية العام 2025 بقبول اختصاص المحكمة من 2011 إلى 2027، فإن ليبيا عليها التزام واضح بالتعاون مع المحكمة، يشمل اعتقال الأفراد المطلوبين منها والموجودين على أراضيها وتسليمهم. إلا أن تعاون ليبيا مع المحكمة ظل حتى الآن ناقصًا إلى حد كبير، وعارضت بعض السلطات الليبية من حيث المبدأ محاكمة الليبيين خارج ليبيا.
خاتمة: إشكالية التكييف القانوني وسؤال العدالة الحقيقية
في قلب هذه القضية تكمن إشكالية قانونية جوهرية لا يمكن تجاوزها: أن أسامة المصري نجيم يُحاكَم على الأرض ذاتها التي ارتكب فيها جرائمه المزعومة، أمام قضاء ينتمي إلى المنظومة السياسية والأمنية التي أتاحت له ممارسة تلك الجرائم لسنوات دون محاسبة. وهذا بحد ذاته يطرح تساؤلًا مشروعًا حول قدرة القضاء الوطني على الفصل بين ما هو قانوني وما هو سياسي في قضية بهذا الثقل.
والإشكالية الأعمق هي في تكييف التهم نفسها. فالقضاء الليبي أدانه بـ”انتهاك حقوق نزلاء” و”معاملة قاسية ومهينة”، وهي تهم تقع في مرتبة أدنى بكثير مما وثّقته المحكمة الجنائية الدولية من قتل وتعذيب ممنهج واغتصاب وعنف جنسي وإخفاء قسري، أي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بامتياز. هذا التفاوت الواسع في وصف الأفعال ذاتها يجعل الحكم المحلي يبدو وكأنه يُقزِّم الجريمة عمدًا، ولا يُعاقب عليها حقًّا.
ولكي تكون هذه المحاكمة عادلة وشفافة بالمعنى الحقيقي، فإن العدالة تستلزم أن تكون الجلسات علنية، وأن يُكشف عن هوية القاضي واسم المتهم والتهم كاملةً، وأن يُتاح للضحايا ومنظمات حقوق الإنسان والمراقبين الدوليين حضور المحاكمة والاطلاع على وقائعها. غياب هذه الضمانات لا يُنتج عدالة، بل يُنتج ذَرًّا للرماد في العيون.
والأهم من ذلك كله أن يحدث تواصل حقيقي ومنظّم بين القضاء الليبي والمحكمة الجنائية الدولية. فمبدأ التكامل الذي يحكم عمل المحكمة الدولية لا يعني التنافس بين الولايتين، بل يعني التكامل بينهما لضمان ألا يفلت مرتكبو أشد الجرائم خطورة من العقاب بذريعة وجود محاكمة وطنية. والمحكمة الجنائية الدولية لن تتخلى عن ولايتها ما لم تقتنع بأن الإجراءات الوطنية جدية وفعلية ومستقلة، وهو ما ستبت فيه الغرفة التمهيدية في الثالث من يوليو 2026.
الخلاصة: إن محاكمة رجل على الأرض التي أجرم فيها، بتهم أخف مما اقترفه، أمام قضاء لم تثبت استقلاليته التامة، ودون أي تنسيق مع المحكمة الدولية المختصة ليس طريقًا نحو العدالة، بل قد يكون أقصر الطرق نحو الإفلات منها. والضحايا، الذين صمدوا سنوات وأدلوا بشهاداتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية، يستحقون أكثر من حكم غامض بلا اسم ولا تفاصيل ولا ضمانات تنفيذ.