يستعرض هذا التقرير تدقيقا للتصريحات الواردة في حوار المصري اليوم مع السيدة روفيندريني مينيكديويلا، مساعدة المفوض السامي لشؤون الحماية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. يعتمد التقرير على الحوار كمصدر أساسي مباشر، ويقوم بمراجعته ومقارنته مع الوقائع المتاحة في تقارير حقوقية مستقلة ومع المعلومات التي أثارتها التعليقات النقدية الواردة لاحقًا.
الهدف من التقرير ليس استبدال رواية المفوضية، بل تقييم دقة تصريحاتها، واكتشاف الجوانب غير المذكورة التي قد تؤثر في فهم القارئ للصورة الكاملة لوضع اللاجئين في مصر والسودان.
أولًا: أزمة التمويل وتأثيرها في خدمات اللاجئين
تؤكد المتحدثة في الحوار أن المفوضية تواجه أزمة تمويل عالمية شديدة، إذ انخفضت ميزانيتها من نحو 5 مليارات دولار إلى 3.9 مليار دولار. هذه الأرقام تتفق مع تقارير أممية حديثة، ما يجعل التصريح صحيحًا من الناحية الرقمية.
تذكر المسؤولة أن هذا الانخفاض أدى إلى:
- إغلاق مركزين لتسجيل اللاجئين في مصر.
- انخفاض عدد المسجلين بنحو 20 ألف شخص عمّا هو معتاد.
- تخفيض خدمات صحية في بعض المناطق بنسبة 87% وتعليمية بنسبة 80%.
هذه التفاصيل تتطابق مع تصريحات المفوضية في الأشهر الماضية.
لكن الحوار لا يوضح حجم الفجوة الناتجة: فخفض التسجيل يعني عمليًّا أن آلاف الأشخاص محرومون من الوثائق الأساسية التي تحميهم من الاعتقال أو الترحيل. كذلك فإن الحديث عن تقليص خدمات الصحة والتعليم دون ذكر أثر ذلك في اللاجئين في مصر نفسها يُعد نقصًا في الشفافية عند تقديم الصورة العامة.
وبالتالى يمكن اعتبار هذه التصريحات غير دقيقة لتجاهله السياق الكامل للمعلومات
ثانيًا: وضع اللاجئين في مصر.. بين عدم وجود مخيمات وغياب الإقامة والخدمات
يركز الحوار على أن مصر لم تضع اللاجئين في مخيمات، وأنها سمحت لهم بالعيش داخل المدن. هذا التصريح صحيح، لكنه يُقدَّم باعتباره ميزة حماية دون الإشارة إلى ما يقابل ذلك من تحديات.
ففي الواقع:
- عدم وجود مخيمات غير مصحوب بوجود نظام إقامة واضح لعدد كبير من اللاجئين.
- كثيرون يعيشون بلا وثائق أو في ظل إقامة منتهية وغير قابلة للتجديد بسهولة.
- الوجود داخل المدن لا يضمن وصولًا فعليًّا إلى الحقوق الأساسية مثل التعليم والصحة.
- في الفترات الأخيرة وثّقت منظمات متعددة حالات توقيف وترحيل لسودانيين دخلوا مصر دون وثائق بعد اندلاع الحرب.
وبالتالي، فإن تقديم عدم وجود مخيمات كدليل على احتواء اللاجئين يمثل جزءًا فقط من الحقيقة.
غياب المخيمات لا يعادل دائمًا حماية، بل قد يعني أن اللاجئ بلا إطار قانوني أو خدمات منظمة، وبلا مسار واضح لتنظيم وضعه القانوني.
هذا الجانب لم يرد في الحوار إطلاقًا، وبالتالي يبقى عرض الصورة غير دقيق ومضلل.
ثالثًا: قانون اللجوء المصري الجديد.. ثناء مقابل واقع قانوني مثير للجدل
يصف الحوار قانون اللجوء رقم 164 لسنة 2024 بأنه مبادرة ممتازة وأنه ينظّم وضع اللاجئين وملتمسي اللجوء بوضوح. وتقول المسؤولة إن القانون يضمن:
- الوصول إلى إجراءات تحديد وضع اللجوء.
- الحصول على الخدمات بعد الاعتراف بوضع اللاجئ.
كما قالت إن المفوضية ستساعد مصر في تطبيقه.
هذا الثناء يتطابق مع رواية الحكومة والمفوضية، لكنه يستبعد تمامًا وجهة النظر الحقوقية المستقلة، رغم أنها موثّقة ومنشورة.
فالعديد من المنظمات، بينها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنصة اللاجئين في مصر والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية قدّمت ملاحظات جوهرية تتعلق بـ:
- توسيع نطاق صلاحيات الأمنية و الحكومية في رفض اللجوء أو سحبه.
- إمكانية تجريم من يساعد طالبي اللجوء -حتى المساعدة الإنسانية- بموجب نصوص فضفاضة.
- غياب ضمانات واضحة خلال المرحلة الانتقالية.
- احتمال انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية في بعض الحالات.
كما أن المفوضية نفسها أصدرت ورقة ملاحظات تقنية على القانون، لكنها لم تُذكر في الحوار، رغم أنها وثيقة رسمية تؤكد وجود ملاحظات تحتاج للتعديل أو التوضيح.
وبالتالي:
الصياغة في الحوار أحادية الجانب، وتقدّم القانون بطريقة دعائية أكثر من كونها تحليلًا موضوعيًّا لأثره الحقيقي وبالتالي تعد تضليلا.
رابعًا: المرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات.. غياب التفاصيل
يذكر الحوار أن المفوضية والحكومة المصرية أعدّتا خطة انتقالية لمدة خمس سنوات لنقل مسؤولية إدارة ملفات اللاجئين من المفوضية إلى الدولة المصرية. وتقول المتحدثة إن ذلك ضروري لأن نقل مسؤولية أكثر من مليون لاجئ في أسبوع أو سنة أمر مستحيل.
إلا أن الحوار لا يقدّم أي تفاصيل عن:
- ما الذي سيحدث لطالبي اللجوء خلال السنوات الخمس؟
- ما مصير الأشخاص الذين بلا إقامة أو بوثائق منتهية؟
- هل سيتوقف التسجيل؟ هل ستتغير شروطه؟
- هل ستضمن المفوضية رقابة أو آليات طعن؟
وما زاد من أهمية هذا الغياب هو أن مجتمعات اللاجئين نفسها لا تعرف شيئًا واضحًا عن هذه المرحلة، وأن المفوضية لم تصدر حتى الآن معلومات تفصيلية للجمهور.
التعليقات النقدية أشارت إلى أن:
- لا يحصل المهاجرون القادمون حديثا إلى مصر على إقامات جديدة بسهولة.
- وهناك مصادر بشأن تجديد الإقامات تفيد بأن المواعيد المتاحة حاليا في 2027.
عدم الإشارة إلى هذا الالتباس في الحوار يجعله ناقصًا من حيث الشفافية (غير دقيق).
خامسًا: غياب الحديث عن الاعتقالات والترحيل – عنصر جوهري أسقطه الحوار
رغم أن الأشهر الماضية شهدت تقارير موثقة عن ترحيل سودانيين من مصر وإعادتهم قسرًا عبر الحدود، بل ووجود حالات توقيف داخل المدن، فإن الحوار لا يذكر هذا الإطار إطلاقًا.
غياب هذا العنصر يجعل تقييم وضع اللاجئين في مصر غير مكتمل، لأن حماية اللاجئ لا تقوم فقط على الخدمات أو القانون، بل على أمنه الشخصي وعدم تعرضه للإعادة القسرية.
وبالتالي فإن حذف هذا الجانب يندرج في فئة ما يسمى عالميًّا التضليل عن طريق الاستبعاد.
سادسًا: المساعدات للسودانيين داخل السودان
الجزء المتعلق بالوضع الإنساني داخل السودان كان الأقرب للدقة والتوازن:
- العدد الكبير للنازحين (7.2 مليون) يتطابق مع تقارير الأمم المتحدة.
- الإشارة إلى نقص الموارد، وصعوبة الوصول، وتحول المساعدات إلى ما هو “منقذ للحياة” فقط، كل ذلك يتوافق مع بيانات إنسانية رسمية.
- كما أن هذا المحور أقل حساسية من جانب سياسات مصر الداخلية، ما يجعل عرضه في الحوار أقرب للواقع.
ومع ذلك، يغيب الربط بين تدهور الوضع في السودان والمخاطر التي يواجهها السودانيون الواصلون إلى مصر، وهذا -مرة أخرى- يشكل نقصًا في بناء الصورة الكاملة.
خاتمة
الحوار المنشور في المصري اليوم يعتمد على تصريحات مسؤولة المفوضية ويعكس رؤية رسمية-دبلوماسية لملف معقد.
وبينما تتفق بعض المعلومات الرقمية مع الواقع، فإن الصورة العامة المقدَّمة ليست مكتملة. أهم النقائص:
- غياب الحديث عن الترحيلات والاعتقالات.
- تقديم قانون اللجوء بصورة إيجابية واحدة دون الإشارة للانتقادات.
- عرض “عدم وجود مخيمات” كميزة دون تقييم الواقع الفعلي للخدمات والإقامة.
- عدم توضيح المرحلة الانتقالية وتأثيرها في اللاجئين.
لذلك، من منظور تدقيق المعلومات، يعد الحوار صحيحًا في أجزاء، لكنه ناقص ومضلل جزئيًّا بسبب إغفال عناصر أساسية في حماية اللاجئين وواقعهم على الأرض.
المصادر:
الحوار
https://www.almasryalyoum.com/news/details/4136053
تقرير منصة اللاجئين انهيار منظومة الحماية في مصر
https://rpegy.org/editions/انهيار-منظومة-حماية-اللاجئين-في-مصر-تق
تعليق هيومن رايتس على مشروع القانون
https://www.hrw.org/ar/news/2024/12/17/egypt-asylum-bill-threatens-refugee-rights
تعليق مفوضية اللاجئين على القانون
https://www.refworld.org/legal/legislation/natlegbod/2024/ar/149388
مقال عن عدم وضوح مصير السوريين في مصر بعد سقوط الأسد
https://www.reuters.com/world/uncertainty-clouds-fate-syrians-egypt-after-assad-ouster-2024-12-24