تدقيق لتصريح خالد أبو بكر بشأن الهجرة غير النظامية وحادث كريت

تدقيق لتصريح خالد أبو بكر بشأن الهجرة غير النظامية وحادث كريت

الادعاء

“مصر لم تعد بها مراكب هجرة غير شرعية، لكن هناك عصابات تستغل الشباب والأهالي وتبيع لهم وهم السفر إلى أوروبا”.

(تصريح تليفزيوني لخالد أبو بكر ضمن حلقة من برنامج آخر النهار على قناة النهار بتاريخ 16/12/2025 عقب الإعلان عن وفاة 14 مصريًّا في حادث غرق مركب قرب جزيرة كريت).

خلفية الحادث

  • وفق بيان وزارة الخارجية المصرية، غرِق مركب هجرة غير نظامية قرب جزيرة كريت اليونانية، وكان على متنه 34 شخصًا من جنسيات مختلفة، من بينهم مصريون.

البيان أشار إلى وفاة 14 مصريًّا، دون توضيح تفصيلي لمصير المفقودين، مكتفيًا بالإشارة إلى التنسيق مع السلطات اليونانية.

  • في المقابل، أوضحت تغطيات صحفية لاحقة -من بينها تصريحات السفير المصري في اليونان- أن عدد المصريين على المركب بلغ 27 شخصًا، وأن 13 مصريًّا ظلوا في عداد المفقودين وقت صدور التصريحات، كما أكدت أن المركب لم ينطلق من السواحل المصرية، بل من دولة مجاورة، في سياق معروف لمسارات الهجرة غير النظامية عبر شرق المتوسط.

 المصريون والهجرة غير النظامية

منذ عام 2016، تؤكد السلطات المصرية أن السواحل المصرية لم تعد نقطة انطلاق رئيسية لقوارب الهجرة غير النظامية. هذا الطرح يجد سندًا في بيانات رسمية وتقارير أوروبية، لكنه يحتاج إلى قراءة أوسع تتجاوز المعنى الجغرافي الضيق.

فبحسب بيانات قوات حرس الحدود المصرية المنشورة خلال الفترة من 2016 إلى 2022، نجحت السلطات في توقيف أكثر من 90 ألف شخص على المحاور والحدود المختلفة في أثناء محاولتهم العبور بصورة غير نظامية. هذه الأرقام لا تعكس فقط تشديد الرقابة البحرية، بل تشير أيضًا إلى استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع أعدادًا كبيرة إلى محاولة الهجرة، حتى قبل الوصول إلى مرحلة الإبحار.

ويتقاطع ذلك مع ما أورده تقرير الاتحاد الأوروبي في قسم تحليل المشكلة، الذي أشار بوضوح إلى أن عمليات المغادرة من شواطئ مصر على البحر الأبيض المتوسط انخفضت بشكل ملحوظ منذ عام 2016، إذ تراجعت من 4873 عملية مغادرة في 2016 إلى 1516 عملية فقط في 2020. ويعكس هذا التراجع نجاح الإجراءات الأمنية في الحد من الانطلاق المباشر من السواحل المصرية، لكنه لا يعني توقف الظاهرة ككل، بل تغيّر مساراتها.

خلال السنوات الأخيرة، اتجه عدد متزايد من المصريين إلى مسار أكثر تعقيدًا وخطورة، يبدأ بالسفر برًّا إلى ليبيا، ثم الإبحار من السواحل الليبية باتجاه أوروبا، سواء إلى إيطاليا أو إلى اليونان، بما في ذلك جزر بعيدة نسبيًّا مثل كريت وغافدوس. هذا التحوّل جعل الرحلة أطول زمنًا، وأكثر تكلفة، وأعلى من حيث مخاطر الغرق والاختفاء في البحر.

وتكشف الأرقام الرسمية الإيطالية حجم هذا التحول بوضوح. فبحسب بيانات وزارة الداخلية الإيطالية، التي تسجِّل جنسية الوافدين عند الإنزال البحري، وصل إلى إيطاليا عبر البحر خلال السنوات الخمس الأخيرة وحدها 45 ألفًا و526 مصريًّا. ففي عام 2020 سُجِّل وصول 1,264 مصريًّا، ثم قفز العدد في 2021 إلى 8,352، قبل أن يبلغ ذروته في 2022 بوصول 20,542 مصريًّا خلال عام واحد. ورغم تراجع الأعداد لاحقًا، استمر الوصول بوتيرة ملحوظة، مع تسجيل 11,072 مصريًّا في 2023، و4,296 في 2024. هذه الأرقام تؤكد أن تشديد الرقابة على السواحل المصرية لم يُنهِ الهجرة غير النظامية، بل دفعها إلى مسارات أخرى أكثر خطورة.

أما اليونان، فرغم غياب بيانات سنوية مفصَّلة حسب الجنسية على غرار إيطاليا، فإن تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الأوروبية المعنية بالهجرة تشير إلى حضور مستمر للمصريين بين الوافدين عبر البحر. ففي عام 2023 استقبلت اليونان أكثر من 41 ألف شخص بحريًّا، وارتفع العدد في 2024 إلى ما يزيد على 57 ألفًا، مع تسجيل المصريين كإحدى الجنسيات الحاضرة، خاصة بين القاصرين غير المصحوبين بذويهم. وبنهاية عام 2024، أظهرت بيانات متعلقة بمراكز الاستقبال المغلقة في جزر بحر إيجة أن المصريين شكّلوا قرابة 7% من المقيمين فيها، وهو مؤشر على استمرار هذا المسار، وإن ظل أقل توثيقًا رقميًّا من إيطاليا.

هذا التحوّل في طرق الهجرة جعل الطريق الليبي-الأوروبي، سواء باتجاه إيطاليا أو اليونان، من أخطر مسارات المتوسط في السنوات الأخيرة. فطول الرحلة، واعتمادها على شبكات تهريب عابرة للحدود، والضغط المتزايد على القوارب غير الصالحة للملاحة، كلها عوامل ارتبطت بارتفاع أعداد الغرقى والمفقودين، لا سيما في الرحلات المتجهة نحو الجزر اليونانية البعيدة مثل كريت.

تفكيك الادعاء

أولًا: “مصر لم تعد بها مراكب هجرة غير شرعية

❌ مضلِّل في مجمله، لأن صياغته تقدّم واقعًا مبسّطًا ومغلقًا لظاهرة معقّدة ومتغيرة. فصحيح أن البيانات الأوروبية تشير إلى تراجع ملحوظ في عمليات المغادرة من السواحل المصرية منذ عام 2016، إلا أن هذا التراجع لا يرقى إلى الجزم بانعدام خروج المراكب بصورة كاملة، كما لا توجد بيانات علنية قاطعة تؤكد توقف الانطلاق من السواحل المصرية بشكل مطلق.

ويزداد هذا الادعاء تضليلًا حين يُقدَّم بمعزل عن النسق الأوسع، إذ يتجاهل الأعداد الكبيرة للموقوفين على الحدود البرية والبحرية خلال السنوات الأخيرة، التي تعكس استمرار محاولات العبور غير النظامي قبل الوصول إلى مرحلة الإبحار، كما يغفل تحوّل مسارات الهجرة نحو دول مجاورة والانطلاق منها، بدلًا من التوقف الفعلي للظاهرة.

كذلك، لا يقدّم الادعاء تفسيرًا منطقيًّا لتكرار وجود مصريين في حوادث غرق خارج المياه الإقليمية المصرية، وهو ما يدل على أن الهجرة غير النظامية لم تتوقف، بل أصبحت أقل ظهورًا على السواحل المصرية وأكثر خطورة وتعقيدًا عبر مسارات بديلة، ما يجعل استخدام عبارة “لم تعد بها مراكب هجرة غير شرعية” توصيفًا مضللًا لا يعكس الصورة الكاملة للواقع.

  • ثانيًا: “هناك عصابات تستغل الشباب والأهالي وتبيع لهم وهم السفر إلى أوروبا”

هذا الشق من التصريح مدعوم على مستوى الواقع العام. فبيان وزارة الخارجية المصرية نفسه يحذر صراحة من عصابات الهجرة غير النظامية ويدعو إلى عدم الانجرار وراءها، كما تشير تقارير دولية وصحفية إلى توسع نشاط شبكات التهريب على مسار ليبيا – اليونان، بما في ذلك الطريق المؤدي إلى كريت وغافدوس. وقد وثّقت هذه التقارير توقيف مشتبهين بالتهريب في وقائع وصول أو إنقاذ، ما يعزز وجود شبكات منظمة تستغل الراغبين في الهجرة.

في الوقت نفسه، يظل استخدام توصيفات عامة مثل “تبيع لهم وهم السفر” توصيفًا إنشائيًّا لا يمكن قياسه رقميًّا، ولا يشرح آليات التهريب، أو طرق الخروج، أو أدوار الوسطاء المحليين والإقليميين، وهي عناصر أساسية لفهم كيفية استمرار هذه الرحلات رغم المخاطر.

التقييم

التصريح: مضلّل

ليس لأنه خاطئ بالكامل، بل لأنه يقدّم جزءًا من الحقيقة، ويغفل الجزء الأهم المتعلق بالمسار والنتائج والمسؤولية، ويُقال في سياق حادث مأساوي.

الخلاصة

حادث كريت لا يمكن فهمه عبر عبارة: “مصر لم تعد بها مراكب هجرة غير شرعية“.

بل عبر الاعتراف بأن الهجرة غير النظامية للمصريين مستمرة، لكنها أصبحت أكثر خطورة وتعقيدًا، وأن الضحايا ليسوا أرقامًا، بل نتيجة مسارات مغلقة، وشبكات تهريب نشطة، وصمت طويل عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحماية والمسؤولية والمحاسبة.

المصادر:

https://www.youm7.com/story/2025/9/30/جحيم-طبرق-اليوم-السابع-يخترق-وكر-المهربين-وسماسرة-الهجرة-غير/7133122

https://mixedmigration.org/eu-egypt-partnership

https://libertaciviliimmigrazione.dlci.interno.gov.it/sites/default/files/2025-05/cruscotto_statistico_giornaliero_31_dicembre_2020_0.pdf

https://ecre.org/aida-country-report-on-greece-2023-update

https://www.savethechildren.net/news/child-migrant-and-refugee-arrivals-greece-double-2024-children-report-alarming-camp-conditions

https://www.europarabct.com/الهجرة-غير-النظامية-وضبط-الحدود-ـ-الات

https://www.unicef.org/eca/media/41726/file/2024 Migrant and refugee children in Europe.pdf

https://www.reuters.com/world/africa/egypts-cratering-economy-drives-many-risky-migrant-route-2023-10-06/

https://www.mfa.gov.eg/ar/Ministers/Details/StatementsAndWordsOfTheMinisterOfForeignAffairs/3841

https://apnews.com/article/greece-migration-crete-libya-mediterranean-turkey-boats-ee77385c674a96ab7a9f124320230e76

رابط موضوع التحقيق 

https://www.facebook.com/alnahareg/videos/آخر-النهار-يهاجم-سماسرة-الهجرة-غير-الشرعية-حلقة-جديدة-مع-خالد-أبوبكر/25471996305824075/