في مقابلة نشرتها جريدة الدستور عبر منصة فيسبوك، أدلى مساعد وزير الداخلية المصري بعدة تصريحات ردًّا على التساؤلات المتعلقة بعمليات ترحيل السودانيين من مصر، أبرزها: أن السودانيين “ضيوف” وليسوا مستهدفين، وأنهم لا يعيشون في خيام ويستفيدون من الخدمات ذاتها التي يحصل عليها المصريون وغيرهم من الجنسيات، مؤكدًا أن السلطات “لا تستهدف جنسية بعينها” وأن التوقيف لا يتم إلا بسبب غياب الأوراق الرسمية فحسب.
تدقيق التصريحات
التصريح الأول
“الأشقاء السودانيين ضيوفنا”
الحكم: مُضلِّل / وصف “الضيوف” يُفضي إلى تجريد فئات واسعة من حمايتها القانونية المقررة دوليًّا
– من هم السودانيون في مصر؟ الأرقام والتصنيفات
قبل الحكم على التصريح، لا بد من فهم التركيبة الفعلية للسودانيين الموجودين على الأراضي المصرية، إذ يقع وصف “الضيوف” على مجموعات متباينة القانون تمامًا.
قدّرت المنظمة الدولية للهجرة إجمالي عدد السودانيين المقيمين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني، يتمركز نحو 56% منهم في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية ودمياط والدقهلية.
هذه الملايين الأربعة تنقسم إلى فئات قانونية مختلفة تمامًا:
الفئة الأولى – اللاجئون السودانيون المسجلون لدى المفوضية:
وفقًا للأرقام الرسمية، فرّ 1.5 مليون مواطن سوداني إلى مصر حتى 29 يناير 2026. وبحلول ديسمبر 2025، بلغ عدد المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة 1,098,311 لاجئًا وطالب لجوء من جنسيات مختلفة، من بينهم 834,201 سودانيًّا و117,364 سوريًّا، غالبيتهم من النساء والأطفال.
الفئة الثانية – في انتظار التسجيل:
منذ إبريل 2023، وصل إلى مصر أكثر من 1.5 مليون لاجئ وطالب لجوء سوداني، سجَّل منهم أكثر من 783 ألف شخص لدى المفوضية، فيما ينتظر أكثر من 215 ألفًا آخرين استكمال إجراءات التسجيل.
ماذا يعني “في انتظار التسجيل” عمليًّا؟
التسجيل لدى المفوضية هو الخطوة الأولى التي يحصل بموجبها طالب اللجوء على وثيقة رسمية تمنحه -من الناحية النظرية- حماية من الترحيل وحق الوصول إلى الخدمات. أطلقت المفوضية في أغسطس 2024 أداة إلكترونية تُمكّن السودانيين من طلب موعد للتسجيل عبر الإنترنت دون الحاجة إلى الحضور الشخصي، وتلقّي تأكيد بموعد التسجيل خلال أسبوعين.
فترات الانتظار: ثلاث سنوات لموعد واحد
تصاعدت فترات الانتظار للحصول على إقامة مرتبطة بطلب اللجوء من 2023 إلى 2024، إذ واجهت المفوضية طلبًا متصاعدًا على خدمات التسجيل شمل السودانيين المقيمين في مصر قبل اندلاع النزاع. وكانت فترة الانتظار تتجاوز عامين بنهاية 2024.
مركز التسجيل في القاهرة يعاني من ضغط استثنائي ويجد صعوبة في مواكبة احتياجات الوافدين الجدد، لا سيما بعد إغلاق مركزَين آخرَين بسبب تخفيضات التمويل. وقد مُنح بعض المتقدمين في 2024 و2025 مواعيدَ تمتد إلى عام 2026.
وبعد قرار الحكومة المصرية في إبريل 2025 بمد صلاحية تصاريح الإقامة المرتبطة بطلبات اللجوء من ستة أشهر إلى سنة وتوسيع طاقة مكاتب الهجرة، توقّعت المفوضية خفض فترات الانتظار من أكثر من 1,100 يوم إلى ما دون 590 يومًا.
الخطر القانوني المباشر لمن ينتظر
حتى بعد اكتمال إجراءات التسجيل والحصول على بطاقة طالب اللجوء الصادرة عن المفوضية، وُثّقت حالات عديدة قامت فيها السلطات المصرية بترحيل سودانيين يحملون هذه البطاقات، إما لأنهم لم يكونوا يحملونها وقت الاعتقال أو لأن السلطات تجاهلت الوثائق كليًّا.
الفئة الثالثة – المقيمون على إقامات أخرى:
تُعدّ مصر حاليًّا أكبر دولة مضيفة للاجئين السودانيين في العالم، إذ استقبلت وفق الأرقام الحكومية المصرية أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ اندلاع النزاع. غير أن إجمالي السودانيين الموجودين على الأراضي المصرية يتجاوز هذا الرقم بكثير، إذ تُقدّر المنظمة الدولية للهجرة تواجد نحو 4 ملايين سوداني في مصر، يقيم كثيرٌ منهم بموجب إقامات دراسية أو عمل أو سياحة أو صلة قرابة، ولا يُصنَّفون قانونيًّا ضمن منظومة اللجوء أصلًا، وبالتالي لا يحق لهم الاستفادة من أي خدمات أو مساعدات إنسانية مقدَّمة للاجئين.
الفئة الرابعة – الداخلون بطرق غير نظامية: بعد أكثر من شهر من اندلاع النزاع، فرضت الحكومة المصرية متطلبات الحصول على تأشيرة دخول لجميع السودانيين، ما دفع الكثير منهم إلى اللجوء إلى معابر غير نظامية. وفي سبتمبر 2024، شددت مصر متطلبات الدخول وألزمت الوافدين من السودان بالحصول على “موافقة أمنية مسبقة” إلى جانب تأشيرة قنصلية.
هذه الفئة هي الأوسع انتشارًا والأشد تعقيدًا من الناحية القانونية، وتنقسم بدورها إلى شريحتين متمايزتين.
الشريحة الأولى – حاملو التأشيرات المنتهية والمحاصرون داخل البلاد:
مع اندلاع الحرب في إبريل 2023، دخل عشرات الآلاف من السودانيين إلى مصر بتأشيرات سياحية صالحة لثلاثين يومًا، أو بتأشيرات دراسية وعمل، دون أن يتوقعوا أن يُصبحوا مقيمين بصورة شبه دائمة. مع استمرار الحرب وتعذّر العودة، وجد هؤلاء أنفسهم في وضع قانوني بالغ التعقيد: لا يُصنَّفون لاجئين ولا يحق لهم الاستفادة من خدمات المفوضية، ولا يملكون في الوقت ذاته مسارًا واضحًا لتقنين إقامتهم.
وفقًا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3326 لسنة 2023، يتوجب على الأجانب المقيمين في مصر بصورة غير قانونية تقنين أوضاعهم خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بهذا القرار، مع اشتراط وجود مستضيف مصري الجنسية، وسداد مصروفات إدارية تعادل ألف دولار أمريكي تودع في حساب مخصص لذلك.
هذا القرار وضع اللاجئين -بمن فيهم السودانيون- أمام خيارات مستحيلة: إما دفع ألف دولار لكل فرد بالغ لتقنين وضعه -وهو مبلغ يتجاوز طاقة معظمهم- وإما البقاء في وضع غير نظامي يُعرّضهم للاعتقال والترحيل في أي لحظة. ووثّق تقرير مدى مصر أن بعض أفراد الجالية اليمنية ممن كانوا غير موثقين أو انتهت مدة إقامتهم توجهوا إلى العباسية وأُبلغوا بأنهم يتحملون غرامة 25 دولارًا عن كل فرد عن كل ثلاثة أشهر تجاوزوا فيها مدة الإقامة، بمن في ذلك الأطفال دون السادسة عشرة وكبار السن فوق الخمسين الذين كانوا معفيين سابقًا.
الشريحة الثانية – الداخلون بطرق غير نظامية جراء تشديد إجراءات الدخول:
بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب، فرضت مصر في يونيو 2023 اشتراط تأشيرة مسبقة على جميع السودانيين. أضيف إلى ذلك اشتراط استخراج تصريح أمني لجميع الذكور بين 16 و45 عامًا، وهو من أهم الشروط التي صدّق عليها حديثًا، إذ يُعدّ هذا التصريح بديلًا رسميًّا لتأشيرة الدخول في بعض الحالات.
ثم جاء تشديد إضافي في سبتمبر 2024، فقد فرضت السلطات المصرية قيودًا جديدة على دخول السودانيين القادمين من دول أخرى إلى أراضيها، تتضمن الحصول على “موافقة أمنية” مسبقة إلى جانب تأشيرة الدخول، وقد عاد ركاب كانوا قادمين إلى القاهرة من مطارات في الخارج بعد بدء تطبيق الاشتراطات الجديدة.
وبسبب الطلب المتزايد على الموافقة الأمنية، باتت رسومها في السوق السوداء تصل إلى 2000 دولار، مما يجعل الكثير من السودانيين يُفكّرون في دخول مصر بطرق غير نظامية.
الوضع القانوني لهؤلاء وحمايتهم الدولية:
الجدير بالذكر أن الدخول غير النظامي لا يُجرّد صاحبه من الحماية الدولية إذا كان فارًّا من الحرب. فاتفاقية اللاجئين لعام 1951 في مادتها الحادية والثلاثين تحظر صراحةً معاقبة اللاجئين على الدخول أو التواجد غير النظامي إذا جاؤوا مباشرة من إقليم تتهدد فيه حياتهم وتقدموا للسلطات دون إبطاء. وقد أكد قانون اللجوء المصري رقم 164 لعام 2024 هذا المبدأ نظريًّا، غير أن تطبيقه الفعلي يكشف العكس تمامًا، إذ رحّلت السلطات المصرية سودانيين بتهمة “مخالفة شروط الإقامة” و”الدخول بطريقة غير قانونية”، وضُبطت حافلات في قنا تقلّ ركابًا سودانيين وصلوا إلى الأراضي المصرية بطريقة غير نظامية ولا يحملون أوراقًا رسمية.
– لماذا وصف “الضيوف” مُضلِّل قانونيًّا؟
المشكلة ليست في حسن النية الذي يوحي به وصف “الضيوف”، بل في الأثر القانوني الفعلي لهذا التوصيف. في القانون الدولي، الفئات المذكورة أعلاه لا تنتظر “كرم الضيافة”، بل تستحق حماية مُلزِمة بموجب:
- اتفاقية جنيف 1951 الموقَّعة من مصر، التي تُلزم الدول بحماية اللاجئين ومعاملتهم وفق معايير دولية محددة تشمل الحق في السكن والعمل والتعليم.
- اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية 1969 الموقَّعة من مصر أيضًا، التي توسّع تعريف اللاجئ ليشمل الفارين من الحروب والصراعات المسلحة.
- مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-Refoulement)، الذي يُمثّل قاعدة عرفية دولية تسري على مصر بصرف النظر عن أي تصنيف آخر تختاره للوافدين.
وصف هؤلاء بـ”الضيوف” بدلًا من الاعتراف بوضعهم القانوني يُفضي عمليًّا إلى تصوير الحماية المكفولة لهم دوليًّا باعتبارها منّةً طوعية قابلة للسحب، وليست التزامًا قانونيًّا مُلزِمًا تترتب على الإخلال به مسؤولية دولية.
كما أن الانتهاكات الموثّقة تطال كل هذه الفئات بلا تمييز؛ فالمسجَّل لدى المفوضية يُعتقل، وحامل الإقامة السارية يُرحَّل، والطالب الجامعي بأوراق نظامية لا يسلم.
التصريح الثاني
“لا يعيشون في خيام ويستفيدون من الخدمات مثل المصريين وجنسيات مختلفة”
الحكم: مُضلِّل
هذا الجزء من التصريح صحيح من الناحية الشكلية، فمصر فعلًا لا تضم مخيمات للاجئين بالمعنى التقليدي، والسودانيون -سواء اللاجئون منهم أو غيرهم- يقطنون في شقق سكنية عادية في أحياء القاهرة والإسكندرية وأسوان وغيرها، كل وفق قدرته المادية، تمامًا كما يفعل أي مستأجر مصري أو أجنبي. لكن الإشكالية ليست في مكان السكن، بل في من يدفع تكاليف البقاء ومن يستحق الخدمات ومن يُحرم منها.
أولًا – التمييز الجوهري: اللاجئ والمهاجر ليسا وضعًا واحدًا
السودانيون الموجودون في مصر ليسوا كتلة واحدة متجانسة قانونيًّا. ثمة فئات متباينة تمامًا، وهذا التمييز ضروري لفهم من يستفيد من الخدمات ومن لا يستفيد:
اللاجئون المسجلون لدى المفوضية هم فقط من يحق لهم قانونًا تلقي منح المفوضية والخدمات المرتبطة بها من صحة وتعليم ومساعدات نقدية. جمهورية مصر العربية موقّعة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967 واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، وبما أنها لم تضع إجراءات وطنية للجوء، فإن مهام التسجيل والتوثيق وتحديد صفة اللاجئ تقع على عاتق المفوضية وفقًا لمذكرة التفاهم الموقّعة عام 1954.
المهاجرون على إقامات أخرى -سياحية أو دراسية أو عمل- لا يحملون أي وضع قانوني للجوء ولا يحق لهم الاستفادة من أي دعم إنساني. هؤلاء يعيشون كليًّا على حسابهم الخاص، وعند تلقّيهم الرعاية الطبية مثلًا يُعامَلون كأجانب عاديين بأسعار السوق لا كلاجئين. وهم في الوقت ذاته الفئة الأكثر هشاشة أمام حملات الاعتقال، إذ لا تغطيهم أي منظومة حماية دولية.
ثانيًا – الإطار المؤسسي: مذكرة 1954 وشركاء المفوضية
بدأت المفوضية عملها في مصر عام 1954 بموجب مذكرة تفاهم مع الحكومة المصرية ممثلةً في وزارة الخارجية، لتقديم خدمات متنوعة لطالبي اللجوء كالتسجيل وتحديد وضع اللاجئ والحماية والإعاشة والخدمات الصحية والتعليمية وحماية الأطفال والدعم المالي للفئات الأكثر احتياجًا وإعادة التوطين والعودة الطوعية. أي أن الدولة المصرية ليست هي من تُقدّم هذه الخدمات مباشرة، بل هي من تُتيح للمفوضية وشركائها العمل على أراضيها.
وتعمل المفوضية عبر شبكة واسعة من الشركاء المحليين والدوليين الذين يُقدّمون الخدمات الفعلية للاجئين المسجلين من رعاية صحية وتعليم ودعم قانوني ومساعدات نقدية ومأوى. يشمل دليل الخدمات المتاح على منصة اللاجئين في مصر جميع الخدمات المتاحة وأماكن تقديمها وشركاء المفوضية في تقديمها بالإضافة إلى تفاصيل الاتصال الخاصة بكل خدمة.
وهذه الخدمات تُموَّل من تبرعات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لا من الخزانة المصرية، مما يعني أن اللاجئين ليسوا عبئًا على الاقتصاد المصري بالمعنى الذي تُوحي به الخطابات الرسمية.
ثالثًا – قانون اللجوء 164 لعام 2024: تحوّل على الورق، فراغ في الواقع
في 16 ديسمبر 2024 صدر قانون رقم 164 لسنة 2024 بشأن لجوء الأجانب في مصر، وهو أول قانون وطني للجوء، مكوّن من 39 مادة، ويكون على رئيس مجلس الوزراء إصدار اللائحة التنفيذية له خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به.
القانون ينقل مسؤولية تحديد أوضاع اللاجئين من المفوضية إلى “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين” المُشكَّلة من ممثلين عن وزارات الخارجية والعدل والداخلية والمالية، على أن يصدر بتسميتها قرار من رئيس مجلس الوزراء خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بالقانون.
غير أن الواقع يكشف فجوة واسعة بين النص والتطبيق؛ فحتى اليوم لم تصدر اللائحة التنفيذية للقانون رغم انقضاء المهلة القانونية، ولم تُشكَّل اللجنة الدائمة بعد سوى تسمية رئيسها دون اختيار أعضائها أو تحديد مقرها الفعلي، مما يُبقي مكتب المفوضية هو المرجعية الوحيدة العاملة فعليًّا على أرض الواقع. والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي كان قد صرّح في تصريح سابق بأن مصر “لا تسميهم لاجئين بل ضيوفنا”، وهو التوصيف ذاته الذي يستخدمه مساعد وزير الداخلية، مما يكشف أنه خطاب رسمي ممنهج لا تصريحًا عفويًّا.
التصريح الثالث
“نحن لا نستهدف جنسية بعينها”
الحكم: مضلل
في هذا التصريح، نفى مساعد الوزير أن تكون عمليات الاعتقال والترحيل موجهة ضد السودانيين تحديدًا. غير أن هذا الادعاء هو الأكثر إشكالية من الناحية التوثيقية، إذ يتعارض مع ما رصدته تقارير مستقلة متعددة ومتقاطعة.
أولًا – أرقام الاعتقال والترحيل: أشار تواصل أممي رسمي مع الحكومة المصرية إلى زيادة بنسبة 121% في اعتقال المسجلين لدى المفوضية بين يناير وأغسطس 2024 مقارنة بالفترة ذاتها من 2025، مع تقديرات تُشير إلى ترحيل ما بين 10 آلاف و22 ألف لاجئ وطالب لجوء سوداني خلال عام 2024.
وتُكمل هذا الرقم بيانات مستقلة أخرى؛ فوفق مصدرَين أمنيَّين مصريَّين تحدثا لوكالة رويترز بشرط عدم الكشف عن هويتهما، رحّلت الأجهزة الأمنية قرابة 21,000 سوداني حتى نهاية مارس 2025 بتهمة الوجود غير القانوني أو مخالفة القوانين المصرية.
ثانيًا – طبيعة الاستهداف العنصري والجغرافي: وثّق التقرير المشترك لمنصة اللاجئين في مصر والمبادرة المصرية أن السلطات تستهدف مجتمعات اللاجئين من خلال إيقاف الأشخاص في الشوارع على أساس لون بشرتهم، ومداهمة المنازل في الأحياء المعروفة بتركّز اللاجئين، وهو نهج جديد كليا على السياسة المصرية تجاه المهجّرين قسرًا.
وثّق التقرير ذاته أن هذه المداهمات والحملات التي وصل عدد المعتقلين فيها إلى مئة شخص في الحملة الواحدة، أفضت إلى حالات احتجاز وترحيل لاحق لعدد كبير من اللاجئين الحاملين لوثائق قانونية صادرة عن المفوضية الأممية.
ثالثًا – شهادة خبراء الأمم المتحدة: أكد خبراء حقوق الإنسان الأمميون في بيانهم الصادر في مارس 2026 أن الاعتقالات التعسفية والترحيل مستمران، مع استهداف مجتمعات اللاجئين في منازلهم وأماكن عملهم وحتى في مراكز الخدمات التي يقودها اللاجئون أنفسهم.
التصريح الرابع
“يتم التوقيف فقط بسبب الأوراق”
الحكم: كاذب
تروج الحكومة المصرية إلى أن ما تقوم به ضد اللاجئين و الاجانب هو عمليات فحص للاوراق ولكن بمتابعة عمليات القبض والاستيقاف نجد:
أولًا – اعتقال حاملي الوثائق الصالحة: وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقال 22 لاجئًا وطالب لجوء بشكل تعسفي بين ديسمبر 2025 وفبراير 2026، من بينهم طفل وامرأتان، 15 منهم مسجلون رسميا لدى المفوضية. وقد وقعت الاعتقالات حتى في حالات كان فيها المعنيون يحملون بطاقات المفوضية السارية وقت الاعتقال، فضلًا عن ثلاثة منهم كانت لديهم مواعيد رسمية مقررة لتجديد الإقامة.
ثانيًا – مصادرة الوثائق القانونية لتسهيل الترحيل: وثّق التقرير المشترك لمنصة اللاجئين في مصر والمبادرة المصرية أن كثيرًا من المقبوض عليهم كانوا يحملون وثائق المفوضية الأممية، إلا أن ذلك لم يمنع احتجازهم وترحيلهم، بل تضمّنت بعض الحالات مصادرة الوثائق ذاتها لتصيير أصحابها “غير موَثَّقين” قبل إجراءات الترحيل.
ثالثًا – وثائق رسمية مسرّبة تُثبت الترحيل المنظّم: كشف تحقيق The New Humanitarian الاستقصائي عن قائمة داخلية صادرة عن سلطة الجوازات المصرية بتاريخ 30 سبتمبر 2025 تُسجّل نقل 24 سودانيا من الاحتجاز لإجراءات الترحيل في يوم واحد. كما كشف التحقيق أن ضابطًا أمنيا من القاهرة الكبرى أفاد بأن مركز شرطته يُرحّل قرابة 200 شخص أسبوعيًّا، وأن أكثر من 2000 سوداني يُنقلون أسبوعيا من مراكز الشرطة في القاهرة إلى أسوان تمهيدًا للترحيل.
رابعًا – الإكراه على التوقيع على “العودة الطوعية”: وثّقت لجنة العدالة (CFJ) حالات أُكره فيها لاجئون على التوقيع على استمارات “العودة الطوعية” تحت وطأة الاحتجاز والضغط النفسي، في ما وصفته المنظمة بأنه “إعادة قسرية مُقنَّعة” تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية المكفول دوليا.
خامسا – وفاة 3 محتجزين داخل مركز شرطة: منهم مبارك قمر الدين، مواطن سوداني يبلغ السابعة والستين من عمره ويحمل بطاقة مفوضية سارية مجدَّدة في أكتوبر، حتفه داخل مركز شرطة الشروق بعد تسعة أيام من احتجازه. كان يعاني من السكري والفشل الكلوي، واعتُقل قرب منزله وهو في طريقه من مخبز قريب. وبينما كانت عائلته تسعى لتأمين إطلاق سراحه عبر السفارة السودانية، فارق الحياة قبل أن تُكتمل الإجراءات.
شهادة من داخل الاحتجاز: روى أحمد صباحي، سوري مقيم في مصر، تجربة احتجازه في منطقة جسر السويس بالقاهرة رغم حمله بطاقة اللاجئ الصفراء الصادرة عن المفوضية الأممية. قال إنه أُوقف في الشارع ونُقل إلى مركز شرطة دون السماح له بالتواصل مع عائلته أو معرفة مدة احتجازه، وأمضى أحد عشر يومًا في ظروف وصفها بـ”البالغة السوء”، ولم يُفرج عنه إلا بعد دفع ما يقارب 400 دولار.
سادسا – تداعيات الحملة على التعليم والعمل: أفادت ثلاث عائلات مسجّلة لدى المفوضية لمنظمة العفو الدولية بأنها أوقفت إرسال أطفالها إلى المدارس والجامعات خشية الاعتقال، فيما أفادت عائلة بأنها لم تستطع الحصول على أي موعد لتجديد تصاريح الإقامة المنتهية نظرًا لتعذّر التواصل مع المفوضية التي تحجز المواعيد نيابةً عن السلطات المصرية.
السياق الأوسع الغائب عن المقابلة: حملة 2026 ضد اللاجئين في مصر
ثمة أبعاد جوهرية لم تُذكر في تصريحات مساعد وزير الداخلية، وهي ضرورية لاستيعاب المشهد كاملًا. أبرزها أن المقابلة جاءت في خضم حملة موثّقة دوليا تستهدف اللاجئين في مصر منذ مطلع عام 2026، وهي حملة تُناقض في جوهرها كل تصريح أدلى به المسؤول.
أولًا – بداية الحملة: من أكتوبر 2025 إلى يناير 2026
أشار خبراء الأمم المتحدة إلى أن الحملة بدأت تتصاعد منذ أكتوبر 2025 وسط ارتفاع حاد في عمليات الاعتقال والترحيل -خاصة للمواطنين السودانيين- وغالبًا ما استندت فقط إلى انتهاكات مزعومة لتصاريح الإقامة، وتمت دون إجراء تقييمات فردية لتحديد خطر الإعادة القسرية.
ومع مطلع يناير 2026، بلغت الحملة ذروة جديدة. رصدت منصة اللاجئين فى مصر فى تقريرها انتشارًا واسعًا لنقاط التفتيش الأمنية ومداهمات المنازل في الأحياء المعروفة بتركّز اللاجئين السوريين في القاهرة والجيزة والإسكندرية، ابتداءً من الأسبوع الثاني من يناير 2026. وامتدت الاعتقالات لتشمل الغردقة، فجرى احتجاز أفراد وعائلات في الأماكن العامة وفي منازلهم وأماكن عملهم.
ثانيًا – الأرقام الموثّقة: من الاعتقال إلى الترحيل
تلقّت منظمات حماية اللاجئين شكاوى تتعلق باحتجاز ما يقارب 5 آلاف لاجئ أو مهاجر -معظمهم سودانيون، إلى جانب أفارقة من جنسيات أخرى وسوريين- خلال الأسبوعين الأخيرين من يناير وحدهما.
وعلى صعيد أرقام الترحيل الرسمية، أعلن السفير السوداني في القاهرة في مؤتمر صحفي بتاريخ 31 يناير 2026 أن 207 سودانيين أُعيدوا من مصر في ديسمبر 2025، وأن 371 آخرين أُعيدوا في يناير 2026 وحده، دون توضيح ما إذا كانت هذه إعادة قسرية أم طوعية. وأشار إلى أن نحو 400 سوداني محتجزون في مصر في تلك اللحظة دون توضيح أسباب احتجازهم وهو ما قمنا بتدقيقه سابقًا.
ثالثا – توصيف الحملة: “إبعاد قسري مُقنَّع”
رصدت منصة اللاجئين في مصر بين أواخر ديسمبر 2025 ونهاية يناير 2026 تصعيدًا غير مسبوق في السياسات والممارسات الرسمية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، تجاوزت الإجراءات المتخذة فيها الطابع المتفرق أو العَرَضي لتتبلور في شكل نمط ممنهج من الإبعاد القسري المقنّع، استهدف على نحو خاص المجتمعات السورية والسودانية في عدد من المحافظات المصرية.
وقد جاء هذا التوصيف امتدادًا لتقرير أشمل صدر في أغسطس 2025. كشف التقرير المشترك الصادر في 18 أغسطس 2025 بعنوان “انهيار منظومة حماية اللاجئين في مصر: انتهاك منهجيّ وواسع النطاق لمبدأ عدم الإعادة القسرية وحق اللجوء” أن السلطات الأمنية في مصر دأبت على ممارسة انتهاكات واسعة النطاق لحقوق اللاجئين وطالبي اللجوء، وتصرّ على الإخلال بالتزام الدولة بمبدأ عدم الإعادة القسرية في غياب الضمانات القانونية وتصاعد اتباع الوسائل الأمنية في التعامل مع ملف اللاجئين.
ويتقاطع هذا التوصيف مع شهادات ميدانية موثّقة تكشف عمق التحوّل في السياسة المصرية. أشار تقرير “انهيار منظومة حماية اللاجئين” إلى أن هذا التحوّل التشريعي ترافق مع تصعيد غير مسبوق في الاعتقال الجماعي والاحتجاز التعسفي وحملات الترحيل القسري وإسقاط الحماية عن لاجئين مسجّلين في انتهاك واسع النطاق لمبدأ عدم الإعادة القسرية. وتعزو منصة اللاجئين سبب الحملة ضد اللاجئين بشكل عام إلى توسّع التعاون المصري الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة والحدود، مشيرةً إلى أنها جمعت معلوماتها من مصادر أوّلية مباشرة، من بينها بلاغات من عائلات المتضررين وشهادات ناجيات وناجين من الاحتجاز ومعلومات حصلت عليها من محامين يتولون الدفاع عن الضحايا.
وعلى الصعيد الأممي الرسمي، قدّمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومنصة اللاجئين في مصر في يونيو 2025 تقريرًا للمقررين الأمميين الخواص بشأن انهيار منظومة الحماية للاجئين وطالبي اللجوء في مصر، يوثّق تزايدًا غير مسبوق في حالات الاعتقال التعسفي والترحيل خارج إطار القانون. وقد أصدر بناءً عليه أربعة مقررين أمميين مذكرة مشتركة أرسلوها للحكومة المصرية، أعربوا فيها عن قلق بالغ إزاء التصاعد الواسع في أنماط الاعتقال التعسفي والترحيل القسري وما يرافق ذلك من انتهاكات للحماية القانونية المكفولة بموجب الدستور والاتفاقيات الدولية.
مصير المُرحَّلين: العودة إلى بلد مدمَّر
الأرقام الرسمية للعائدين: أكد تقرير منظمة الهجرة الدولية الصادر في يوليو 2025 أن نحو 320,000 شخص عبروا الحدود عائدين إلى السودان منذ العام الماضي، قادمين بصورة رئيسية من مصر وجنوب السودان، بعضهم لتقييم الأوضاع قبل البتّ في قرار العودة النهائي.
الدور المصري المهيمن في العودة: كشف تقرير IOM أن 89% من العائدين إلى السودان من الخارج بين يناير 2024 وديسمبر 2025 قدموا من مصر، فيما أشار 9% منهم إلى أن “الصعوبات القانونية في الخارج” سبب عودتهم، وهو ما يُقرأ في السياق الحقوقي باعتباره إقرارًا ضمنيا بأن الضغط الأمني في مصر دفعهم إلى العودة.
الواقع الذي يعودون إليه: وصف تقرير IOM في أكتوبر 2025 أن أكثر من مليون شخص عادوا إلى الخرطوم وحدها خلال عشرة أشهر، قادمين إلى منازل متضررة أو غير صالحة للسكن، في مدينة تعاني من شحّ الكهرباء والمياه النظيفة، وضعف الرعاية الصحية، واستمرار خطر الكوليرا، ووجود ذخائر غير منفجرة في المناطق السكنية وقرب المدارس.
شهادة مباشرة من الميدان: خلال زيارة ميدانية لممثلي الأمم المتحدة إلى الخرطوم، لخّص أحد المسنّين الوضع بعبارة مكثّفة: “احتياجاتنا بسيطة: طعام وماء وصحة وتعليم، لأن هذا مستقبل أطفالنا”.
الأزمة الإنسانية القائمة: رصد تقرير IOM في سبتمبر 2025 أن إجمالي العائدين تجاوز 3.5 مليون شخص، غير أن الأزمة لا تزال متحركة، مع ارتفاع أعداد النازحين في تسع ولايات أخرى يشهد فيها الصراع تصاعدًا مستمرًا.
المصادر:
https://www.fmreview.org/faith-2/okello-2-2/
https://help.unhcr.org/egypt/en/food-assistance/
https://www.undp.org/egypt/publications/egypt-refugee-and-resilience-response-plan-errrp-2025
https://reliefweb.int/report/egypt/wfp-egypt-country-brief-december-2024
https://www.wfp.org/publications/assistance-refugees-and-crisis-affected-populations-egypt
https://developmentactionrefugees.org/country-responses/egypt
https://newint.org/refugees/2025/how-eu-enables-egypts-crackdown-sudanese-refugees
https://www.iom.int/news/iom-resumes-operations-khartoum-over-2-million-return-amidst-sudan-war
https://eu.boell.org/en/2024/03/22/migration-agreement-egypt-eu-backing-wrong-horse
https://www.iom.int/news/iom-calls-urgent-support-returns-khartoum-top-one-million
https://www.unognewsroom.org/story/en/2736/sudan-displaced-return-iom-undp-unhcr-25-july-2025
https://sudantribune.com/article/310461
https://rimap.unhcr.org/node/67784
https://www.refugeesinternational.org/reports-briefs/no-model-of-refuge-sudanese-refugees-in-egypt/
https://timep.org/2025/02/06/a-crossroads-for-refugee-rights-examining-egypts-new-asylum-law/
https://www.bakerinstitute.org/research/what-egypts-new-asylum-law-means-refugees
https://www.hrw.org/news/2024/12/17/egypt-asylum-bill-threatens-refugee-rights