رصاص بتمويل أوروبي: خفر السواحل الليبي يهاجم سفينة إنقاذ فى المتوسط

أعلنت منظمة SOS Méditerranée أنّ سفينة الإنقاذ Ocean Viking تعرضت لإطلاق نار مباشر من قِبل خفر السواحل الليبي، المدعوم من إيطاليا، في أثناء محاولتها التدخل لإنقاذ مهاجرين في عرض البحر قبالة السواحل الليبية يوم 24 أغسطس الجاري.

تفاصيل الحادثة

أوضحت المنظمة الإنسانية أنّ قوات خفر السواحل أطلقت وابلًا من الرصاص استمر لأكثر من 15 دقيقة، استهدف السفينة وطاقمها والمتطوعين الموجودين على متنها. وأفادت التقارير أنّ الرصاص أدى إلى تحطم نوافذ غرفة القيادة وتضرر الهوائيات والمعدات المخصصة لعمليات الإنقاذ، بينما لم تُسجل إصابات في صفوف الطاقم أو المهاجرين.

كما نقلت تقارير صحفية عن طاقم السفينة أنّهم تلقوا عبر اللاسلكي تهديدًا مباشرًا باللغة العربية يقول: “إذا لم تغادروا المنطقة، سنأتي ونقتلكم جميعًا”، في وقت كانوا يحاولون فيه إنقاذ عشرات المهاجرين المهددين بالغرق.

ردود الفعل

  • منظمة SOS Méditerranée اعتبرت الحادث “جريمة خطيرة” ضد العمل الإنساني، مطالبةً الاتحاد الأوروبي بوقف دعمه لخفر السواحل الليبي وفتح تحقيق مستقل.
  • منظمة أطباء بلا حدود (MSF) وصفت السلوك الليبي بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي” وأكدت أنّ تكرار مثل هذه الاعتداءات يعرّض حياة المهاجرين والمنقذين للخطر.
  • الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (Frontex) أعربت عن “قلق عميق” من الحادثة، ودعت إلى تحقيق شفاف يحدد المسؤوليات.
  • في المقابل، التزمت الحكومة الإيطالية الصمت حتى الآن، رغم أنّ السفينة الحربية التي شاركت في الحادثة كانت قد سلّمتها روما لليبيا عام 2023 في إطار اتفاقيات التعاون لمكافحة الهجرة غير النظامية.

حوادث مشابهة

لم يكن حادث Ocean Viking الأول من نوعه:

  • في يوليو 2023، أطلقت قوات خفر السواحل الليبي النار بالقرب من قارب إنقاذ تابع للمنظمة نفسها في أثناء محاولة إنقاذ، ما تسبب في حالة ذعر وسقوط أشخاص في البحر. ورغم المطالبات بالتحقيق، لم تصدر نتائج رسمية حتى اليوم.
  • في مارس 2024، اتهمت منظمة أطباء بلا حدود خفر السواحل الليبي بمحاولة عرقلة إنقاذ أكثر من 170 مهاجرًا على متن سفينة Geo Barents، إذ نفذت زوارق مسلحة مناورات خطرة أدت إلى سقوط مهاجرين في المياه وغرق أحدهم.

الشراكة الأوروبية – الليبية 

منذ عام 2015، ضخ الاتحاد الأوروبي، ولا سيما إيطاليا، موارد مالية ولوجستية لتعزيز قدرات خفر السواحل الليبي ضمن إستراتيجية الحد من تدفق المهاجرين عبر المتوسط. غير أنّ المنظمات الحقوقية الدولية، ومنها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، حذّرت مرارًا من أنّ هذا الدعم يتم في غياب الضمانات الكافية لاحترام حقوق الإنسان.

تتحدث تقارير عدة عن إعادة قسرية لمهاجرين إلى مراكز احتجاز داخل ليبيا، حيث يتعرضون لانتهاكات جسيمة تشمل التعذيب وسوء المعاملة والابتزاز.

يرى مراقبون أنّ استخدام القوة من قِبل خفر السواحل ضد سفن الإنقاذ لا ينفصل عن سياسة الضغط التي تمارسها بعض الحكومات الأوروبية، خصوصًا إيطاليا، للحد من وصول المهاجرين إلى شواطئها. هذه الحوادث تهدد بتعميق الخلاف بين المنظمات الإنسانية والاتحاد الأوروبي، كما قد تضع دولًا أعضاء أمام مساءلة قانونية دولية إذا ثبت تورطها في دعم جهات تنتهك القوانين البحرية والإنسانية.

حادثة إطلاق النار على Ocean Viking تمثل جرس إنذار جديد حول مخاطر النهج الأمني في التعامل مع الهجرة عبر المتوسط. فبينما تؤكد أوروبا التزامها بحقوق الإنسان، يثير استمرار دعمها لخفر السواحل الليبي أسئلة حادة حول التناقض بين خطابها وسياساتها الميدانية. وفي ظل تزايد الانتقادات من المنظمات الحقوقية والإنسانية، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم هذه الشراكات، وتبني آليات واضحة للمساءلة تضمن حماية أرواح المهاجرين وفرق الإنقاذ على حد سواء.

وعلى الرغم من الإدانة الحادة التي أصدرتها منظمات غير حكومية مثل SOS Méditerranée وأطباء بلا حدود، لم تُحَلْ الحوادث المتكررة التي تورّط فيها خفر السواحل الليبي إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إلى أي جهة أوروبية مختصة حتى الآن. هذا الغياب للمحاسبة يثير تساؤلات جدية حول جدوى وشفافية الشراكات القائمة بين الاتحاد الأوروبي وليبيا في ملف الهجرة.

ويُضاف إلى ذلك أنّ المناخ السياسي في إيطاليا، حيث تزداد قوة التيارات اليمينية والمحافظة، قد يساهم في المزيد من التعتيم على هذه الانتهاكات، بل وربما يؤدي إلى التضييق على عمل منظمات الإغاثة المدنية، بدلًا من تعزيز دورها في إنقاذ الأرواح.

إنّ تكرار حوادث إطلاق النار أو عرقلة عمليات الإنقاذ يكشف إخفاقًا واضحًا في ضبط سلوك خفر السواحل الليبي، ويضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كونه شريكًا وممولًا أساسيًا لهذه القوة. واستمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تآكل الثقة في التعاون الأوروبي-الليبي ويُعرّض حياة آلاف المهاجرين وفرق الإنقاذ للخطر.

وعليه، يجب:

  • تفعيل آليات المساءلة الدولية وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.
  • إجراء تقييم شامل للاتفاقيات الممولة من بروكسل مع السلطات الليبية، ومراجعة بنود الدعم المقدم لخفر السواحل.
  • تعزيز الرقابة البرلمانية الأوروبية على سياسات الهجرة والتأكد من توافقها مع الالتزامات الحقوقية الدولية.
  • حماية منظمات الإنقاذ المدنية ودعم دورها الإنساني بدلًا من التضييق عليها، باعتبارها خط الدفاع الأخير لإنقاذ الأرواح في البحر.