ماذا نعرف عن أسامة المصري؟

ضابط ليبي مطلوب للعدالة الدولية.. وأزمة قانونية ودبلوماسية تفجّر جدلًا في أوروبا

في يناير من عام 2025، عاد اسم أسامة المصري نجيم، أحد أبرز المسؤولين الأمنيين الليبيين، إلى واجهة الأحداث الدولية بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سجون ليبيا، لا سيما سجن “معيتيقة” سيئ السمعة. تحوّل اسم المصري من ضابط في الشرطة القضائية الليبية إلى محور أزمة قانونية وسياسية بين إيطاليا والمجتمع الدولي، حين تم توقيفه أثناء مشاهدته مباراة كرة قدم في إيطاليا ثم إطلاق سراحه وترحيله إلى ليبيا دون محاكمة ..

⭕️ من هو أسامة المصري؟

أسامة المصري، المعروف أيضًا باسم أسامة نجيم، هو ضابط ليبي برتبة لواء، عمل لسنوات ضمن جهاز الشرطة القضائية الليبية وهو جهاز أمني يتبع وزارة العدل شرق ليبيا ، وتتمثل مهامه الأساسية – من المفترض – في تنفيذ الأحكام القضائية وتأمين المحاكم وأعضاء النيابة والقضاة وإدارة السجون ومراكز الاحتجاز ومرافقة السجناء إلى جلسات المحاكم و حفظ الأمن داخل المنشآت القضائية.

شغل دورًا محوريًا في إدارة سجن معيتيقة الواقع في طرابلس. السجن الذي تديره قوات الردع الخاصة، يُتهم بكونه أحد أكثر أماكن الاحتجاز انتهاكًا لحقوق الإنسان في ليبيا، بحسب تقارير أممية ومنظمات حقوقية وكان قد برز اسمه بعد 2014 كأحد قادة “قوة الردع الخاصة” (رَداد)، وهي ميليشيا إسلامية قوية سيطرت على الأمن والسجون في العاصمة طرابلس..

بحسب وثائق المحكمة الجنائية الدولية، فإن المصري مسؤول بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث وقعت بعض من هذه الانتهاكات تحت سلطته عن الانتهاكات الواسعة التي وقعت في معيتيقة منذ 2015، وتشمل الاتهامات حالات تعذيب واغتصاب وقتل خارج القانون واحتجاز تعسفي وانتهاك للكرامة الإنسانية.

⭕️ مذكرة توقيف دولية واتهامات جنائية

في 18 يناير 2025، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق أسامة المصري نجيم، متهمة إياه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، شملت:

📌 القتل العمد والتعذيب

📌 المعاملة القاسية

📌 العنف الجنسي والاغتصاب

📌 الاعتقال غير القانوني والاختفاء القسري

📌الاضطهاد الديني والتمييز ضد فئات معينة (منهم المسيحيون، المثليون، معارضو الجماعات الإسلامية)

المذكرة جاءت استنادًا إلى أدلة وشهادات قدمها ضحايا ومعتقلون سابقون، وصفوا كيف كان المصري يشرف على التعذيب أو يعطي الأوامر بارتكابه. كما تم توثيق حالات اغتصاب مروعة وسوء معاملة ضد مهاجرين أفارقة ومواطنين ليبيين، بينهم نساء وقصر.

⭕️ التوقيف في إيطاليا ثم الإفراج المفاجئ

لم تمضِ أيام قليلة على صدور مذكرة التوقيف، حتى ألقت الشرطة الإيطالية القبض على أسامة المصري في مدينة تورينو يوم 19 يناير 2025، بعد أن سافر إلى إيطاليا لحضور مباراة كرة قدم حسب ما تم نشره واعتُبر اعتقاله خطوة نادرة ضد شخصية ليبية نافذة متهمة بجرائم دولية، وأثار اهتماماً حقوقياً وإعلامياً واسعاً

لكن في خطوة صادمة، قررت السلطات الإيطالية بعد يومين فقط، الإفراج عنه وترحيله إلى ليبيا بدلًا من تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية. استندت الحكومة الإيطالية في قرارها إلى “إشكال قانوني إجرائي”، معتبرة أن مذكرة التوقيف لم تُفعّل بشكل رسمي عبر القنوات الحكومية الإيطالية المختصة بحسب القانون الإيطالي، مما اعتبرته جماعات دعم المهاجرين التفاف على العدالة، حيث تختلف حالة التوقيف بالنسبة لمطلوب للجنائية الدولية عن عمليات التوقيف الداخلية، مما يعني أنه لا يمكن الإفراج عنه قبل قرار من المحكمة الجنائية الدولية.

توقيف أسامة المصري في إيطاليا والإفراج عنه – تسلسل زمني:

📌 18 يناير 2025: المحكمة الجنائية الدولية تصدر مذكرة توقيف دولية بحق أسامة المصري نجيم، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ليبيا.

📌 19 يناير 2025: الشرطة الإيطالية تعتقل المصري في مدينة تورينو، بعد التعرف عليه أثناء حضورة مباراة كرة قدم، وذلك بالتعاون مع الإنتربول.

📌 21 يناير 2025 (صباحًا): محكمة إيطالية للطعن تصدر قرارًا يعتبر توقيف المصري غير قانوني إجرائيًا، بحجة عدم احترام الإجراءات الرسمية بين الجهات القضائية.

📌 21 يناير 2025 (مساءً): المصري يُرحّل بشكل عاجل إلى ليبيا على متن طائرة خاصة، بعد إطلاق سراحه مباشرة من مركز التوقيف الإيطاليدون أن يُمنح فريق المحكمة الجنائية فرصة استلامه أو حتى الطعن في قرار الإفراج..

📌 22 يناير 2025: وسائل الإعلام الإيطالية والدولية تكشف تفاصيل الإفراج، مما يؤدي إلى ضجة سياسية داخل إيطاليا، ومطالبات بمحاسبة المسؤولين عن القرار.

📌 25 يناير 2025: المحكمة الجنائية الدولية تطلب من الحكومة الإيطالية توضيحًا رسميًا خلال 30 يومًا بشأن فشلها في تسليم المتهم رغم المذكرة الدولية الصادرة بحقه.

⭕️ تداعيات سياسية وقانونية

إجراء الإفراج عن المصري فجّر عاصفة سياسية في الداخل الإيطالي. أحزاب معارضة، ومنظمات دولية وجماعات حقوق الإنسان ومنظمات اللاجئين، انتقدت القرار بشدة، واعتبرته خرقًا صارخًا لالتزامات إيطاليا كدولة موقعة على نظام روما الأساسي. كما خضعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لتحقيق رسمي برلماني إلى جانب وزير العدل ووزير الداخلية حيث قُدم تحقيق قضائي شامل يطال رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، ووزير العدل كارلو نورديو، ووزير الداخلية ماتّيو بيانتيدوسي، بسبب احتمال ارتكاب “تسهيل جرم وتبديد أموال عامة”.، واتهامات بـ”التدخل السياسي” في مسار العدالة.

من جهتها، وجهت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة إلى الحكومة الإيطالية تطالب فيها بـ”توضيح رسمي” خلال 30 يومًا، مع التأكيد أن عدم التعاون يعرض إيطاليا لمساءلة دولية.

⭕️ غضب حقوقي وأممي

منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية عبّرت عن قلقها الشديد مما وصفته بـ”التحايل القانوني الذي أتاح الإفلات من العقاب”، واعتبرت أن ما حدث “سابقة خطيرة تهدد قدرة المحكمة الجنائية على أداء مهامها عالميًا”.

في السياق نفسه، خرج عدد من الضحايا السابقين من سجن معيتيقة في شهادات مصورة، يروون فيها ما تعرضوا له من تعذيب واعتداءات جنسية وأنّهم يعيشون “كوابيس” و”شعورًا بالخيانة” عقب إطلاق سراحه.، وطالبوا المجتمع الدولي بعدم السماح له بالإفلات من العقاب.

قال ديفيد يامبيو المتحدث باسم مجموعة اللاجئين في ليبيا إنه تعرض للإساءة على يد المصري أثناء احتجازه في سجن معيتيقة بين عامي 2019 و2020، وقال إنه شعر بالخيانة من إيطاليا. يامبيو، الذي هرب في نهاية المطاف من السجن ووصل إلى إيطاليا على متن قارب تهريب عام 2022، قال إنه شعر “بشعور عابر بالعدالة” عندما سمع باعتقال المصري في تورينو. واضاف “أولئك الذين انتظروا طويلاً قبلي، الليبيون ضحايا شبكته الإجرامية وجرائم حربه، كانوا يتمنون حلول هذا اليوم”.

وأضاف: “ولكن عندما جاء، انطفأ فجأةً قبل ساعات من أن نشعر به حقًا في قلوبنا”.وفي حديثه لصحيفة الغارديان حول ما يمثله الإفراج من صدمة: “الأمل الهش الذي كنا نتمسك به من أجل العدالة قد تحطم.” “نحن بالفعل نعيش في خوف دائم، لكن كيف يمكن أن نشعر بالأمان في بلد تظاهر بحمايتنا، ثم قام بحماية شخص متهم بالتعذيب؟”

⭕️ الموقف الليبي

في الداخل الليبي، أعاد النائب العام الليبي فتح ملفات تخص أسامة المصري، وأعلن تحريك دعوى محلية ضده ومع ذلك، لم يتم حتى الآن تنفيذ أي إجراء علني أو اعتقال فعلي ، في ظل شبكة مصالح ومناصب يحظى بها المصري داخل منظومة أمنية متشابكة ومعقدة.

وفقا لبيان النيابة العامة الليبية أن المصرى امتثل لجلسة التحقيق الأولى بتاريخ 28 أبريل 2025، حيث جرى اطلاعه على التّهم الموجهة إليه وتسجيل أقواله و كشفت النيابة عن تأجيل جلسة الاستجواب التالية إلى حين إنجاز طلب مساعدة قضائية رسمي سيُوجّه إلى مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية، للحصول على الأدلة والقرائن التي يمتلكها الادعاء الدولي والمتعلقة بالوقائع محل الملاحقة، وأدلة إسنادها.

⭕️ أزمة عدالة أم تواطؤ سياسي؟

قضية أسامة المصري تفتح ملفًا أوسع حول علاقة أوروبا – لا سيما إيطاليا – بالحكومات والكيانات المسلحة في ليبيا، ضمن ما يسمى “صفقات ضبط الهجرة”، حيث تتهم منظمات دولية إيطاليا والاتحاد الأوروبي بدعم جهات أمنية متهمة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان مقابل الحد من تدفقات المهاجرين.

إفراج إيطاليا عن متهم بمستوى المصري أثار تساؤلات عميقة حول أولويات الأمن على حساب العدالة، وموقع حقوق الإنسان في صناعة سياسات الهجرة ومدى قدرة النظام الدولي على ملاحقة مجرمي الحرب دون أن تعترضه المصالح السياسية.

يعتقد حقوقين تواصلنا معهم أن أسامة المصري ليس مجرد اسم في ملف جنائي؛ بل هو نموذج لتشابك معقد بين الجريمة والسلطة والسياسة الدولية. قضيته تمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية المحكمة الجنائية الدولية، ولسيادة القانون الدولي في وجه الحسابات السياسية الضيقة. وبينما يبقى المصري حرًّا في ليبيا، تبقى أعين العالم مفتوحة على مستقبل هذه القضية وما ستكشفه من حقائق أكثر خطورة.