على مدار أكثر من عقد من الزمان، ظلّ التعليم أحد أبرز ضحايا الأزمات السياسية في اليمن. فمنذ اندلاع الثورة ضد الرئيس علي عبد الله صالح عام 2011، ثم انزلاق البلاد إلى النزاع المسلح في 2014، تدهورت المنظومة التعليمية بشكل غير مسبوق. آلاف المدارس أُغلقت أو دُمّرت، ومعها ضاع مستقبل جيل كامل من الأطفال، واضطرت آلاف الأسر إلى الهجرة بحثًا عن بيئة آمنة لأبنائها. مصر، بحكم الجوار والعلاقات التاريخية، كانت من أبرز الوجهات، لكنّها بدورها شهدت أزمة مركبة طالت مدارس الجالية اليمنية على أراضيها.
قبل أحداث 2011، كان التعليم في اليمن يعاني بالفعل من ضعف البنية التحتية ونقص التمويل، لكن الأوضاع ساءت مع تصاعد النزاع بعد 2014. تشير تقارير إلى أنّ أكثر من 3,600 مدرسة أُغلقت أو تضررت خلال الحرب، فيما خرج نحو 4.5 مليون طفل يمني من التعليم بحلول عام 2024، أي ما يقارب 40% من الأطفال في سن الدراسة، كما يمثل الأطفال في سن الدراسة في اليمن ما يقرب من 33% من إجمالي السكان في اليمن ويعيش أكثر من ثلثي هؤلاء الأطفال في مناطق نائية يصعب الوصول إليها، مما يحد من قدرتهم على الوصول إلى المؤسسات التعليمية.
هذا الواقع دفع آلاف العائلات اليمنية إلى البحث عن بدائل خارج حدود الوطن، وكان لمصر نصيب وافر من هؤلاء النازحين، نظرًا لسهولة التنقل إليها، ولتوافر مدارس يمنية مجتمعية تعتمد المنهج اليمني وتعطي شهادات تعترف بها وزارة التعليم العالي اليمنية إضافة إلى روابط التاريخ واللغة.
مدارس الجالية اليمنية في مصر.. من الحل إلى المشكلة
مع تزايد أعداد الطلاب، تخطى عدد الملتحقين بمدارس الجالية اليمنية في القاهرة والجيزة 6 آلاف طالب وطالبة حتى منتصف 2024، بحسب تحقيق نشره موقع نون بوست. هذه المدارس لم تكن مجرد فصول دراسية، بل فضاءً يحافظ على هوية الجيل الجديد ويعوضهم عن الفقدان الكبير في الداخل اليمني.
غير أنّ هذا الحل المؤقت سرعان ما اصطدم باللوائح المصرية. ففي أكتوبر 2024، أصدرت وزارة التربية والتعليم المصرية قرارًا بإغلاق نحو 15 مدرسة يمنية بدعوى أنها تعمل بلا تراخيص وتُدرّس مناهج مخالفة للمعتمد رسميًّا في مصر. وفي يونيو 2025 جاء القرار الأشد، إذ تقرر الإغلاق النهائي لجميع مدارس الجالية، ما شكّل صدمة كبرى للأسر اليمنية المقيمة في مصر.
معاناة الطلاب وأولياء الأمور
أدى القرار إلى حرمان آلاف الطلاب من مقاعدهم الدراسية، ووضعت الأسر أمام تحديات معقّدة:
- الاكتظاظ في المدارس المصرية الحكومية حال دون استيعاب الطلاب اليمنيين بسهولة.
- فُرضت رسوم إقامة سنوية تصل إلى 150 دولارًا لكل طفل كشرط للالتحاق بالتعليم الرسمي.
- اشترطت بعض المدارس اجتياز اختبارات تحديد مستوى غير متطابقة مع المنهج اليمني، ما عرّض كثيرين لخطر إعادة سنوات دراسية كاملة.
- فرضت بعض المدارس المصرية دروسًا خصوصية إلزامية لليمنيين، ما زاد من الأعباء المالية على عائلات مثقلة أصلًا بالتهجير واللجوء.
هذه التحديات دفعت رئيس مدارس الجالية اليمنية في القاهرة، خالد المصباحي، إلى الاستقالة في يونيو 2025، محذرًا من أن القرار قد يؤدي إلى تسرب نحو 7,000 طالب من التعليم، وهو ما وصفه بـ”كارثة تعليمية” حقيقية.
المواقف الرسمية والتجاذبات الدبلوماسية
أثارت الأزمة ردود فعل واسعة:
- السلطات المصرية شددت على أنّ الإغلاق ليس استهدافًا للجالية اليمنية تحديدًا، بل يشمل مدارس سورية وسودانية أخرى، وأن الهدف هو فرض الالتزام بالمناهج المصرية واللوائح الرسمية.
- سفارة اليمن في القاهرة، عبر المستشار الثقافي بليغ المخلافي والسفير خالد بحاح، نفت أن يكون هناك استهداف متعمّد، وأكدت أنها تجري اتصالات مستمرة مع الحكومة المصرية لإيجاد حلول تضمن حق الطلاب في التعليم.
- منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش حذّرت من أن حرمان الأطفال اللاجئين واليمنيين من الالتحاق بالمدارس المصرية يمثل انتهاكًا لحق أساسي، ودعت القاهرة إلى تعديل قراراتها المقيدة لقبول غير المصريين في التعليم العام.
محاولات للتسوية أمام تصاعد الضغوط، بدأت بوادر انفراج تدريجية
- في يناير 2025، سمحت الحكومة المصرية بإعادة فتح مدرسة يمنية واحدة في حي الهرم بشكل مؤقت حتى نهاية العام الدراسي، شريطة الالتزام بمعايير السلامة والمناهج التعليمية.
- في يوليو 2025، أعلنت السلطات المصرية قرارًا يسمح بقبول الطلاب اليمنيين رسميًّا في المدارس الحكومية والخاصة بجميع المراحل ابتداءً من العام الدراسي 2025-2026، وهو ما اعتُبر خطوة إيجابية باتجاه الحل النهائي للأزمة.
السياسة والواقع.. أين يتقاطع اليمني مع المصري؟
لا يمكن فصل أزمة مدارس الجالية اليمنية في مصر عن السياق السياسي الأوسع الذي يعيشه اليمن منذ اندلاع النزاع المسلح عام 2014. فقد تسببت المواجهات بين الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًّا وجماعة الحوثي في انهيار مؤسسات الدولة، وعلى رأسها قطاع التعليم، فأُغلقت آلاف المدارس، ووجد ملايين الأطفال أنفسهم خارج الفصول الدراسية.
هذا الانهيار دفع عشرات الآلاف من العائلات إلى الهجرة نحو دول الجوار، خاصة مصر التي استقبلت أعدادًا كبيرة من الطلاب اليمنيين. وبسبب خصوصية المناهج اليمنية، أسست الجالية مدارس أهلية خاصة بها، كانت تُعتمد شهاداتها في الجامعات المصرية عبر وزارة التعليم العالي اليمنية، ما جعلها الخيار المفضل للأهالي.
لكن مع تزايد أعداد هذه المدارس وبدعوى غياب تراخيص رسمية، أغلقت وزارة التعليم المصرية في أواخر 2024 نحو 15 مدرسة، ثم أتبعت القرار بإغلاق شامل في يونيو 2025. الموقف المصري استند إلى قرار وزاري صدر عام 2014 يحصر تسجيل الطلاب غير المصريين في المدارس الحكومية أو الخاصة المصرية، ويمنع إنشاء مدارس تتبع مناهج غير مصرية دون إذن رسمي من الجانب المصري.
تحرّكت السفارة في القاهرة عبر لقاءات دبلوماسية مع وزير الخارجية المصري. وشدّد السفير خالد بحاح على ضرورة إيجاد حل يحفظ مستقبل آلاف الطلاب، معتبرًا أن قرارات الإغلاق تهدد بموجة تسرب دراسي واسعة في أوساط الجالية.
ورغم إصرار القاهرة على أن الإجراءات لا تستهدف اليمنيين وحدهم، فإن الأثر المباشر كان قاسيًا على الجالية اليمنية بحكم حجمها الكبير واعتمادها الكلّي تقريبًا على مدارسها الخاصة. كما أظهر التباين بين خطاب التضامن السياسي الذي يعلن دعم اليمنيين، والقرارات الإدارية التي أوقعت آلاف الأسر في مأزق تعليمي.
تُظهر هذه التطورات أن معاناة الطلاب اليمنيين في مصر ليست معزولة عن سياقها الأوسع. فالحرب في اليمن دمّرت البنية التعليمية الداخلية، وأجبرت آلاف الأسر على النزوح. وعندما لجأوا إلى مصر، وجدوا أنفسهم أمام تحديات بيروقراطية وقانونية تهدد مستقبل أبنائهم.
الإجراء المصري الأخيرة بفتح مدرسة يمنية مؤقتة مطلع عام 2025، ثم السماح بالالتحاق الرسمي بالمدارس المحلية ابتداءً من العام الدراسي 2025 – 2026 يعطي بصيص أمل. لكن تظل الأزمة عميقة، وتحتاج إلى معالجة شاملة تراعي الظروف الاستثنائية التي يعيشها اليمنيون، ووضع حق الطفل في التعليم فوق كل اعتبار.
رغم تطمينات متكررة من السفارة اليمنية في القاهرة بأن الحكومة المصرية لا تستهدف اليمنيين، وأن الأبواب ستبقى مفتوحة أمام أبنائهم للالتحاق بالمدارس، فإن الواقع اليومي يعكس صورة أكثر تعقيدًا. فبينما تُعلن البيانات الرسمية عن تسهيلات، يواجه أولياء الأمور صعوبات إدارية ومالية خانقة؛ اشتراط رسوم إقامة تصل إلى 150 دولارًا عن كل طفل، ووجود طوابير طويلة أمام الإدارات التعليمية، واختبارات مستوى تُقصي الكثير من الطلاب بسبب الفجوة بين المناهج اليمنية والمصرية. هذا التناقض بين الوعود السياسية والواقع العملي يعمّق شعور الجالية بالخذلان، إذ يرون أن تصريحات الدعم لا تجد طريقها للتنفيذ الفعلي، وهو ما يزيد من مخاوفهم من ضياع مستقبل أبنائهم في بلد لجأوا إليه بحثًا عن الاستقرار.
نحو حلول مستدامة.. بين الواجب الإنساني والسيادة الوطنية
تُبرز أزمة المدارس اليمنية في مصر الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولًا تأخذ في الاعتبار خصوصية أوضاع اللاجئين اليمنيين، دون الإخلال بالسيادة القانونية المصرية. فبينما تسعى القاهرة إلى تنظيم قطاع التعليم الخاص وفرض الالتزام بالمناهج الوطنية، فإنّ آلاف الأطفال اليمنيين يقفون اليوم على حافة ضياع مستقبلهم الدراسي.
الخبراء والناشطون الحقوقيون يقترحون عدة خطوات عملية للخروج من المأزق:
- إطار قانوني خاص: وضع آلية استثنائية تسمح باعتماد مدارس الجالية تحت إشراف وزارتي التعليم في مصر واليمن، بما يضمن جودة المناهج ومطابقتها للمعايير دون المساس بخصوصية الثقافة المحلية للطلاب.
- تسهيلات إدارية ومالية: تخفيض رسوم الإقامة أو إعفاء الطلاب اليمنيين منها، نظرًا لظروف الحرب التي تعصف ببلادهم، بما يخفف الأعباء عن الأسر.
- شراكات تعليمية: تشجيع التعاون بين المدارس اليمنية والوزارات المصرية لتبادل المناهج، وتأهيل المعلمين، بما يعزز دمج الطلاب تدريجيًّا في النظام التعليمي المصري.
- دور المجتمع الدولي: مطالبة المنظمات الأممية، وعلى رأسها اليونيسف والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بتقديم دعم مالي ولوجستي مباشر للطلاب اليمنيين في الخارج، على غرار برامج الدعم الموجهة للطلاب السوريين.
في نهاية المطاف، يظل التعليم حقًّا أساسيًّا لا يمكن أن يُختزل في معادلات سياسية أو إدارية. وإذا كانت الحرب قد سرقت من أطفال اليمن مدارسهم في الداخل، فإنّ ضمان حقهم في التعلم في المنافي، وعلى رأسها مصر، يشكّل التزامًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا على جميع الأطراف محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.