مصر وليبيا: تغير مسارات الهجرة بعد التشديد الأمني في المتوسط

منذ عام 2016، دخلت مصر وليبيا في قلب مشهد الهجرة غير النظامية عبر البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، لتشكّلا معًا مركز ثقل لهذه الظاهرة. فمن جهة، سعت مصر إلى فرض سيطرة محكمة على سواحلها من خلال استراتيجيات وطنية وقوانين رادعة وشراكات أوروبية، ومن جهة أخرى برزت ليبيا كأهم محطة عبور ومأوى للمهاجرين، بفضل تفككها السياسي والأمني، ما جعلها بؤرة استقطاب للهجرة ومسرحًا متواصلًا لعمليات الانطلاق والاعتراض والإنقاذ.

خلال الفترة 2016–2025، لم تؤدِّ السياسات الأمنية إلى وقف الظاهرة، بل أسهمت في إعادة تشكيل مساراتها نحو طرق جديدة أكثر خطورة، وأنتجت تحديات إنسانية وقانونية عميقة.

  1. 1. السياق

أخضعت مصر سواحلها لتدابير أمنية صارمة ضمن ما أسمتها “الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية (2016-2026)”، وطبّقت قانونًا رادعًا (رقم 82 لسنة 2016)، مع تعديلات لاحقة عام 2022، وإنشاء صندوق وطني عام 2023. كما وقّع معها الاتحاد الأوروبي اتفاق شراكة بقيمة 7.4 مليار يورو دعمًا لملف الهجرة والحدود وغيرها، منها 200 مليون يورو مخصصة لإدارة الهجرة.

ورغم الجهود المكثّفة منذ عام 2016 لمنع خروج قوارب الهجرة غير النظامية من السواحل المصرية، فإن الظاهرة لم تتوقف بالفعل، بل تحوّلت مساراتها فقط. فبدلًا من الانطلاق من مصر، تحولت مصر إلى نقطة عبور إلى ليبيا التي أصبحت نقطة انطلاق جديدة نحو أوروبا.

الحكومة المصرية تعتبر أن هذا الإغلاق ناجع في وقف أي رحلات غير شرعية تنطلق من سواحل البلاد. لكن الواقع الميداني يشير إلى أن السماسرة ومهربي البشر لم يتوقفوا عن تنظيم هذه الرحلات، بل نقلوا عملياتهم غالبًا إلى الحدود البرية أو مناطق أكثر خفاءً، مثل المناطق الحدودية إلى ليبيا عبر الصحراء.

في تقرير قديم صدر عام 2017، ذُكر أن الهجرة غير النظامية من شواطئ رشيد وإدكو (بالدلتا) كانت لا تزال نشطة، وإن كان العدد الدقيق للرحلات -مثل أكثر من 1000 محاولة- لم يُوثّق بشكل واضح في المصادر المتاحة. بعض المصادر المحلية تحدثت عن استمرار تسيير الرحلات رغم الإجراءات الأمنية، مؤكدين أن عمليات “التجميع” والانطلاق لم تتوقف، إنما تحوّلت لطرق أقل وضوحا.

إضافة إلى ذلك، ثمّة اتهامات متداولة تُشير إلى أن الحكومة المصرية تتكتم على الأرقام الحقيقية المتعلقة بعدد الرحلات أو المحاولات، وأن ما يُعرض من بيانات رسمية لا يعكس الواقع الميداني بالكامل ولا يُنشر بصورة مفصلة أو شفافة.

  1. التحوّل في أنماط المسارات:

التحوّل نحو المحيط الأطلسي (طريق جزر الكناري)

  • خلال عام 2024، شهدت جزر الكناري وصول عدد قياسي من المهاجرين عبر الطريق الأطلسي، فبلغ عدد الواصلين نحو 46,843 شخصًا.
  • وفق تقرير المنظمة الإسبانية Caminando Fronteras لعام 2024: كان عدد الضحايا على الطريق الأطلسي يبلغ 9,757 شخصًا، ما يُمثل 93% من إجمالي ضحايا محاولات العبور البحري إلى إسبانيا، مع التأكيد على أن هذه الأرقام تجعل هذا الطريق “الأكثر فتكا في العالم”، وترجع سبب خطورة الطريق إلى أن الأشخاص الذين يحاولون الوصول من جزر الكناري يحاولون الابتعاد عن الساحل لتجنب الرقابة. وقد تستغرق عمليات العبور هذه ما يصل إلى 10 أيام، مما يزيد من احتمال غرق القوارب وانجرافها في عرض المحيط، بالإضافة إلى مخاطر نقص المياه والغذاء، والتعرض لضربة الشمس، فضلًا عن خطر إمكانية الضياع في المحيط الأطلسي وتوجه القوارب إلى منطقة البحر الكاريبي أو البرازيل.
  • مع انتقالنا إلى عام 2025، تراجعت أعداد الوصول إلى جزر الكناري، إذ بلغ عدد الوافدين عبر هذا الطريق 9,128 شخصًا حتى نهاية مارس، وهو انخفاض بنسبة 31% مقارنةً بالعام السابق (16,109 في الربع الأول من 2024).
  • رغم هذا التراجع، فإن المخاطر لا تزال عالية. ففي الربع الأول من 2025، سجّلت IOM نحو 170 حالة وفاة أو فقدان على طريق الأطلسي نحو جزر الكناري.

لماذا هذا التحوّل؟

  • يبدو أن التحوّل يعود جزئيًّا إلى سياسة “تمديد الحدود”، التي تعنى بـ”إيقاف المغادرين قبل الوصول إلى أوروبا” من خلال تعاون أمني مشدد مع دول شمال إفريقيا مثل مصر وليبيا وتونس والمغرب، وغربها مثل موريتانيا، والسنغال، بهدف منع القوارب من الانطلاق نحو المتوسط، وبالتالي بدأ المهربون يحددون غينيا وغينيا بيساو نقطتيْ انطلاق جديدة.
  • أسهمت السياسات الأمنية-الحدودية الأوروبية المتشددة بدورها في تقليص عبور المتوسط، ما دفع بعض المهاجرين للتحوّل نحو المسارات الأطلسية البديلة، رغم مخاطرها الكبيرة.
  1. ليبيا ودورها المحوري

مع إغلاق مصر سواحلها، تحولت ليبيا إلى الممر الأبرز. فحتى مارس 2025، سجّلت ليبيا وجود 88,283 لاجئًا وطالب لجوء، وأكثر من 824,000 مهاجر مقيم. تصدّر السودانيون القائمة (29%) تليهم النيجر (23%) ثم المصريون (20%)، مع وصول 256,000 سوداني منذ اندلاع الحرب في السودان.

  • على صعيد “الخروج نحو أوروبا”، تُظهر بيانات MMC للربع الأول 2025 أن 93% من الواصلين بحرًا إلى إيطاليا حتى 30 مارس قد أبحروا من ليبيا (8,502 من أصل 9,168)، فيما تراجعت انطلاقات تونس بحدة. كما شكَّل المصريون 10% من الجنسيات الواصلة إلى إيطاليا في الربع نفسه، وهو ما يثبّت اعتماد شريحة من المصريين على ليبيا كنقطة انطلاق.
  • التحديات الأمنية والاقتصادية داخل ليبيا: تؤكد تقارير المخاطر الأوروبية لعام 2025 أن تفكك الحوكمة، لوجود حكومتين تتنازعان السيطرة في ليبيا، وتغلغل شبكات التهريب يجعلان من ليبيا مركز جاذبية لعمليات العبور غير النظامي، مع تعقيدات أمنية عميقة على الساحل الأوسط للمتوسط.
  • وعلى الرغم من تراجع إجمالي العبور غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي مطلع 2025، تبرز المأساة القاتلة قبالة لامبيدوزا (13 أغسطس 2025) مؤشرًا على استمرارية الخطورة؛ إذ أفاد ناجون بأن القاربيْن انطلقا من ليبيا قبل أن تنقلب السفينة وتُخلّف ما لا يقل عن 26 وفاة وعشرات المفقودين. وتُجمِع قواعد بيانات “المفقودين المهاجرين” على توثيق حادثة اليوم نفسه مع الإشارة إلى الزاوية/ليبيا كنقطة مغادرة.

ليبيا وشركاؤها الأوروبيين (تعاون، وتدريب، واعتراضات):

 

تُعتبر ليبيا نقطة محورية على المسار الأوسط للهجرة عبر حوض البحر الأبيض المتوسط، إذ تصدّرت قائمة الدول المصدّرة إلى إيطاليا، فضلًا عن استضافتها أعدادًا كبيرة من المهاجرين.  بلغ حجم الدعم المقدم من الاتحاد الأوروبي عبر صندوق الطوارئ الائتمانى لإفريقيا (EUTF for Africa) نحو 465 مليون يورو ما بين 2015 و2021، على أن تستمر تنفيذ المشاريع حتى ديسمبر 2025 . كما واصل الاتحاد الأوروبي دعم ليبيا من خلال أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي (NDICI‑Global Europe) للفترة 2021–2027، فتم تخصيص نحو 65 مليون يورو بدعوى التركيز على حماية المهاجرين وتعزيز إدارة الحدود.

تترافق هذه الجهود مع دعم بعثات مدنية-عسكرية، مثل بعثة المساعدة الحدودية (EUBAM Libya) و”عملية إيريني” (EUNAVFOR MED Operation Irini)، اللتين تدعمان تدريب الحرس البحري الليبي وتطبيق حظر الأسلحة وتعزيز مراقبة الحدود البحرية.

غير أن هذه السياسات تتعرض لانتقاد عالمي مكثف، خصوصًا من منظمات حقوقية مثل “العفو الدولية“، التي وصفت التعاون الأوروبي مع السلطات الليبية بأنه “منعدم أخلاقيًّا”، لكونه ساهم في تعريض المهاجرين لمخاطر جسيمة داخل مراكز الاحتجاز الليبية، منها التعذيب واختفاء قسري.

في جانب “المنع والاعتراض”، أظهرت المستجدات التشغيلية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) لشهر مايو 2025 أن نشاط حرس السواحل الليبي شهد تصاعدًا ملحوظًا؛ إذ جرى اعتراض أو إنقاذ 9,585 شخصًا في 126 عملية حتى نهاية مايو، مقارنة بانخفاض نسبي في الفترة نفسها من عام 2024. كما لوحظ ارتفاع الانطلاقات من مدينة طبرق شرق ليبيا، أعقبها إعادة 2,181 شخصًا إلى الأراضي الليبية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام. هذه الأرقام تعكس استمرار اعتماد الاتحاد الأوروبي على الشراكة الأمنية مع ليبيا للحد من تدفق المهاجرين عبر البحر المتوسط، ضمن ما يُعرف بالسياسات الوقائية أو “الاعتراض المبكر”.

بالتوازي مع ذلك، واصلت بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة على الحدود في ليبيا (EUBAM) تعاونها مع البحرية الإيطالية لتأهيل القدرات الليبية، إذ نُظمت دورة تدريبية نظرية وعملية لحرس السواحل بين 6 و12 إبريل 2025. ويُنظر إلى هذه البرامج على أنها جزء من إستراتيجية أوروبية أوسع لتوطيد القدرة البحرية الليبية، غير أن منظمات حقوقية لا تزال تحذّر من أن تكثيف قدرات الاعتراض يُفضي في كثير من الحالات إلى إعادة المهاجرين إلى بيئة غير آمنة داخل ليبيا، وهو ما يثير إشكاليات قانونية وإنسانية مرتبطة بمبدأ “عدم الإعادة القسرية” المعتمد في القانون الدولي للاجئين.

تحوّلات 2025 في اتجاهات الخروج من ليبيا

  • إلى إيطاليا: بعد أن مثّلت ليبيا 93% من الانطلاقات في الربع الأول، تُظهر تحديثات MMC للربع الثاني قفزة جديدة: حتى 29 يونيو 2025 شكّلت ليبيا موقع انطلاق 91% من جميع الواصلين إلى إيطاليا هذا العام، مع ارتفاعٍ بنسبة 116% في الانطلاقات من ليبيا مقارنة بالربع الأول.

يبقى المسار المركزي عبر البحر الأبيض المتوسط، من ليبيا إلى إيطاليا أو مالطا، أحد أكثر طرق الهجرة خطورة في العالم. في السنوات الأخيرة، شهد هذا المسار انخفاضات في عدد العبور، لكنها لا تعكس انتهاء الظاهرة بل تحولها بطريقة جديدة ومأساوية. ففي النصف الأول من عام 2025، تُسجل زيادة بنسبة 7% في العبور عبر هذا الطريق، فبلغ عدد المعابر غير القانونية ما بين 22,700 إلى 36,700 حالة خلال الأشهر السبعة الأولى، بحسب تقديرات فرونتكس (Frontex). ولا تزال الكلفة البشرية مروّعة: فحتى منتصف 2025، وثّقت المفوضية الدولية للهجرة (IOM) ما لا يقل عن 1,011 حالة وفاة أو اختفاء على هذا الطريق البحري.

في عام 2025، شهد مسار الهجرة عبر شرق ليبيا نحو جزيرة كريت (وغيرها مثل غافدوس) تحوّلاً بارزًا جعل منه أحد أبرز المحاور البحرية للنزوح نحو أوروبا. وفقًا لوكالة فرونتكس، تجاوز عدد الوافدين من ليبيا إلى كريت خلال الأشهر السبعة الأولى من العام أكثر من 10,000 شخص، وهو رقم أكثر من أربعة أضعاف إجمالي الوافدين عبر هذا المسار خلال الفترة نفسها من عام 2024.

في عام 2025، برز مسار الهجرة البحري من شرق ليبيا إلى جزيرة كريت كظاهرة بارزة لحركة اللاجئين نحو أوروبا. فقد أفادت بيانات فرونتكس أن أعداد الوافدين عبر هذا المسار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام تجاوزت 10,000 شخص، أي أكثر من أربعة أضعاف ما سُجل في الفترة نفسها من عام 2024. بينما تشير بيانات مركز الهجرة المختلطة Mixed Migration Centre إلى أن عدد الوافدين بلغ 8,200 شخصًا بحلول 6 يوليو 2025، في زيادة حادة مقارنة بنحو 860 فقط في عام 2024، ما يعكس تحولًا جذريًّا في طبيعة مسار الهجرة من ليبيا إلى كريت.

المسار الغربي نحو إسبانيا – عبر البحر الأبيض المتوسط الغربي

في مطلع عام 2025، بدأت أعداد المتجهين من ليبيا أو الساحل الغربي المغاربي نحو إسبانيا في الارتفاع التدريجي، عبر المسار الغربي عبر البحر الأبيض المتوسط، الذي يشمل الانتقال نحو جزر الباليار، إلى جانب عبور مضيق جبل طارق باتجاه البر الإسباني. وفقًا لمركز الهجرة المختلطة (Mixed Migration Centre)، سجلت جزر الباليار وصول قرابة 3,000 مهاجر خلال النصف الأول من 2025، أي ما يقارب 3.5 أضعاف عدد الوافدين خلال الفترة نفسها من عام 2024، وهو ما يشير إلى أن هذا المسار، رغم كونه أقل استخدامًا، بدأ يفرض نفسه تدريجيًّا كخيار بديل للمهاجرين الباحثين عن الوصول إلى أوروبا بأشكال جديدة.

  1. الحوادث والمخاطر الميدانية

وفيات وسياق عام

  • تُفيد بيانات منظمة الهجرة الدولية (IOM) بأن عدد الضحايا في البحر المتوسط خلال 2024 بلغ نحو 2,452 حالة وفاة/فقدان. يظلّ المسار الأوسط بين شمال إفريقيا وإيطاليا الأخطر تاريخيًّا.

أبرز الحوادث منذ بداية 2025

  • 1 يناير 2025 – قبالة ليبيا (زوارة): فُقِد نحو 20 شخصًا بعد أن سقطوا من قارب واجه بحرًا هائجًا بعيد إقلاعه من زوارة؛ نُقل 7 ناجين إلى لامبيدوزا، بينهم طفل.
  • 22-24 يناير 2025 – وسط المتوسط: أنقذت سفينة أوشن فايكنغ 83 شخصًا بينهم نساء حوامل ورُضّع؛ وأكّد مشغل السفينة (SOS Méditerranée) عملية الإنقاذ والتفريغ في جنوة.
  • 19 مارس 2025 – قرب لامبيدوزا: 6 وفيات و40 مفقودًا بعد انقلاب قارب.
  • 11 مايو 2025 – عبور ليبيا/إيطاليا: وفاة ثلاثة بينهم طفلان (3 و4 سنوات) في رحلة انطلقت من ليبيا، مع إنقاذ 59 ناجيًا.
  • يونيو-يوليو 2025 – شرق المتوسط/جزيرة غافدوس وكريت: إنقاذ أكثر من 430 شخصًا قرب غافدوس، إضافة إلى 96 قرب كريت في سلسلة حوادث خلال 6-7 يوليو؛ تؤكد السلطات اليونانية استخدام مسار شرق ليبيا ← كريت بكثافة متزايدة هذا العام.
  • 13 أغسطس 2025 – قبالة لامبيدوزا: ما لا يقل عن 26 وفاة وأكثر من 10 مفقودين بعد انقلاب قارب انطلق من ليبيا؛ نُقل نحو 60 ناجيًا إلى مركز الاستقبال.

عمليات الإنقاذ والاعتراضات

  • داخل المياه الليبية، تُظهر بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ارتفاعًا في الاعتراض/الإنقاذ: فحتى 31 مايو 2025 جرى اعتراض/إنقاذ 9,585 شخصًا في 126 عملية، مع ارتفاع واضح لانطلاقات طبرق وإعاداتها إلى ليبيا.
  • في يونيو-يوليو، تصاعدت عمليات الإنقاذ قبالة كريت/غافدوس تزامنًا مع تنشّط المسار القادم من شرق ليبيا، وهو ما دفع اليونان إلى إجراءات وتشديدات على الجزيرة (كريت) رغم استمرار الوصول.

رغم تراجعٍ نسبيّ في بعض مؤشرات العبور إجمالًا، تُظهِر حوادث مارس وأغسطس قبالة لامبيدوزا، ومعها سلسلة إنقاذات يوليو قرب كريت/غافدوس، أنّ مخاطر المسار الأوسط لا تزال مرتفعة، وأن المسار الشرقي (شرق ليبيا ← كريت) بات مسرحًا متكررًا لحوادث واعتراضات في 2025.

ترحيلات برّية.. إعادة قسرية بلا ضمانات

شهدت الأعوام الماضية نمطًا ثابتًا لعمليات الإعادة خاصة للمصريين من الأراضي الليبية، خصوصًا من المدن الشرقية القريبة من الحدود. وغالبًا ما تتم هذه الإعادات في غياب إجراءات قانونية تضمن تقييم أوضاع الأفراد أو النظر في احتياجاتهم إلى الحماية الدولية. تشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن السلطات الليبية تعتمد في هذه العمليات على النقل البري السريع إلى منفذ أمساعد، بعد احتجاز قصير في مرافق مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

أما المصريون الذين يُلقى القبض عليهم أو الذين يودَعون في أماكن احتجاز داخل ليبيا، فيُرحَّلون برًّا إلى مصر دون أي ضمانات قانونية أو تمكين من تقديم طلبات لجوء إلى المفوضية أو حتى دراسة حالتهم بشكل فردي.

خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2025 سُجّلت عدة موجات متتالية من الإعادات عبر الحدود، كان معظمها في شكل ترحيلات جماعية شملت عشرات أو مئات الأشخاص في المرة الواحدة. وشملت الوجهات التي انطلقت منها هذه القوافل مدنًا مثل طبرق، وأجدابيا، ودرنة. ووفق شهادات ميدانية، لم يُتح للمرحّلين فرصة التواصل مع مفوضية اللاجئين أو محامين، كما لم تجرِ مقابلات فردية لتحديد المخاطر التي قد تواجههم بعد العودة.

أبرز الوقائع الموثقة

  • 27 إبريل 2025 – طبرق ← منفذ أمساعد: ترحيل 48 مصريًّا.
  • 11 مايو 2025 – شرق ليبيا ← أمساعد: ترحيل 130 مصريًّا.
  • 11 يونيو 2025 – شرق ليبيا: ترحيل 171 مصريًّا.
  • 27 يونيو 2025 – طبرق ← أمساعد: ترحيل 82 مصريًّا.
  • 8 يوليو 2025 – طبرق: ترحيل 179 مصريًّا.

فيما نشرت “منصة اللاجئين في مصر” (Refugee Platform in Egypt) ترحيل 77 مصريًّا عبر معبر أمساعد، وانتقدت ما وصفته بـ”الترحيل القسري” وتجاوز الضمانات القانونية.

  • 13 يوليو 2025 – بنغازي/الكبرى: ترحيل 194 مصريًّا.
  • 19 يوليو 2025 – طبرق: ترحيل 183 مصريًّا.
  • 23 يوليو 2025 – أمساعد: ترحيل 97 مصريًّا.
  • 27 يوليو 2025 – درنة/أمساعد: ترحيل 23 مصريًّا عبر أمساعد، بينهم حالة أُخضعت لإجراء صحي قبل الترحيل.
  • 30 يوليو 2025 – أمساعد: ترحيل 43 مصريًّا.
  • 3 أغسطس 2025 – البطنان/أمساعد: ترحيل 103 مصريين.
  • 6-7 أغسطس 2025 – أجدابيا: ترحيل 148 مصريًّا.
  • في يناير 2025 – كريت/اليونان: ضبط 66 مهاجرًا قدموا من ليبيا، بينهم 22 مصريًّا، واعتُقل 3 مصريين بتهمة تهريب البشر. كما شملت عمليات الأيام نفسها إنقاذ/وصول عشرات آخرين كان من بينهم مصريون.
  • 6-7 يوليو 2025 – قبالة غافدوس وكريت/اليونان: إنقاذ أكثر من 430 مهاجرًا في خمس حوادث؛ الجنسيات شملت مصريين (وسوريين وبنغلاديشيين وغيرهم)، وفق خفر السواحل اليوناني.

فيما تداولت صفحاتُ أخبار تحركاتٍ ميدانيةً عن نقل بري طويل لدفعات من المصريين من مراكز احتجاز شرق ليبيا وإعادتهم برًّا إلى أمساعد، وتضمنت منشورات يومية توثيق عمليات نقل من شحات وطبرق لمواطنين مصريين نحو الحدود.

هذه العمليات تتم غالبًا في غياب أي إجراءات قانونية واجبة مثل: عدم إمكانية الوصول إلى محامٍ، وعدم إجراء تقييم فردي لطلبات اللجوء أو الحماية، وانعدام الرقابة القضائية على قرارات الإبعاد. فضلًا عن وجود تقارير تشير إلى عدد من الانتهاكات رافقت عمليات الترحيل منها نقص الطعام والمياه خلال فترة الانتظار للنقل وإنزال المرحّلين على مقربة من الحدود وتركهم في ظروف صعبة دون دعم لوجستي.

خاتمة

منذ مطلع 2025 وحتى 20 أغسطس 2025 تبدّلت خرائط العبور في المتوسط بسرعة لافتة. أحكمت مصر رقابتها الساحلية، بينما ترسّخت ليبيا بوصفها “مخزنًا سكانيًّا” للمهاجرين ومسرحًا رئيسيًّا للإبحار والاعتراض معًا. تقليديًّا ظلّ المسار الأوسط نحو إيطاليا الأكثر نشاطًا وخطورة، لكنّ مسار شرق ليبيا ← كريت برز هذا العام بوصفه ممرًا متغيرًا يزاحم المسارات المعتادة. وعلى الضفة المقابلة أثّرت سياسات الاعتراض والإنقاذ والإعادات -إقليميًّا وأوروبيًّا- في إعادة توزيع المخاطر بدل تقليصها، فازدادت حوادث الفقدان والوفيات المتقطعة رغم تراجعٍ نسبيٍّ في بعض المؤشرات.

عوامل الدفع الاقتصادية والصراعية (خصوصًا تدفّق السودانيين)، إلى جانب اقتصاديات التهريب وتجزؤ الحوكمة في ليبيا، ظلت أقوى من أدوات الردع. في الوقت ذاته أسهمت إجراءات الترحيل والإعادات في دول المغرب العربي والساحل الأطلسي في إعادة تشكيل مسارات الحركة، لكنها لم تُغلقها؛ بل دفعت جزءًا منها إلى طرق أطول أو أشد خطورة. خلاصة المشهد: الأمن وحده لا يكفي، فهو يغيّر المسار أكثر مما يُعالج الدوافع، ويترك الكلفة الإنسانية على الطرفين: الضحايا والمجتمعات الساحلية.

ولإنهاء الدائرة، تحتاج السياسات إلى مزيجٍ أوضح من:

  1. شراكات تنموية موجّهة في بلدان المنشأ والعبور (مع مصر وليبيا والسودان خصوصًا).
  2. قنوات قانونية وأوسع للهجرة تخفّض الطلب على التهريب.
  3. قدرات إنقاذ شفافة ومنسّقة على جانبي المتوسط.
  4. حماية وإحالات نظامية لمن يُعادون إلى السواحل الليبية، وشبكات مراقبة لمراكز الاحتجاز.
  5. تبادل بيانات علني في الزمن الحقيقي حول الاعتراضات والإعادات والحوادث.
  6. مقاربة حقوقية موحّدة تشترطها أي اتفاقات تمويل أو تدريب.

بهذه المقاربة فقط يمكن تحويل التحكّم بالمخاطر من “إزاحةٍ جغرافية” إلى انخفاضٍ فعليّ ومستدام في الخسائر البشرية، مع إدارة أكثر عدلًا وواقعية لحركة البشر عبر مصر وليبيا وجوارِهما.