منصّات التواصل كأداة إنقاذ

كيف يستخدم المهاجرون فيسبوك وواتساب لطلب النجدة في أثناء العبور (البحر/الصحراء)؟

أصبحت الهواتف الذكية ومنصّات التواصل الاجتماعي أشبه بـ”خط نجدة” رقمي للمهاجرين، إذ يوفّر فيسبوك وواتساب قنوات سريعة وفعّالة لطلب المساعدة في أثناء رحلات العبور شديدة الخطورة. فالمهاجرون لا يستخدمون هذه الأدوات فقط قبل الانطلاق لجمع المعلومات عن الطريق والطقس والمهرّبين، بل يعتمدون عليها في أثناء الرحلة لنقل إحداثيات GPS في الوقت الفعلي، أو مشاركة صور وفيديوهات تثبت حالة الخطر التي يواجهونها.

هذا التواصل لا يبقى داخل المجموعة الصغيرة من الركّاب، بل يصل مباشرةً إلى شبكات مدنية متطوّعة مثل Alarm Phone التي تتواصل بدورها مع مراكز البحث والإنقاذ الأوروبية أو سلطات الحماية المدنية في النيجر. كما تلعب المنشورات على فيسبوك/إكس من أقارب المهاجرين دورًا في الضغط الإعلامي، إذ تتحرك منظمات إنسانية مثل أطباء بلا حدود وسفن المجتمع المدني بناءً على هذه النداءات الرقمية. ورغم أن هذه الأدوات لا تمنح ضمانًا أكيدًا للنجاة، فإنها شكّلت فارقًا ملموسًا في إنقاذ مئات الأرواح على مدار السنوات الأخيرة.

 

ماذا يفعل المهاجر إذا تعرّض للخطر في البحر أو الصحراء؟

في حال تعرّض المهاجر لخطر مباشر في أثناء العبور، فإن الخطوة الأولى غالبًا هي محاولة مشاركة الموقع الجغرافي عبر واتساب مع إحدى جهات الاستغاثة مثل شبكة هاتف الإنذار (Alarm Phone)، أو إرسال رسالة نصية قصيرة مع تفاصيل الوضع وعدد الركّاب. إذا تعذّر إرسال الموقع بدقة، يُنصح بتكرار المحاولة أكثر من مرة من أماكن مختلفة بالقارب أو في الصحراء، والتقاط صور أو تسجيلات قصيرة لتوضيح الحالة. بعد ذلك، تتولّى الشبكة تمرير البلاغ إلى أقرب مركز بحث وإنقاذ أو إلى الحماية المدنية (في البحر إلى خفر السواحل أو سفن الإغاثة، وفي الصحراء إلى فرق الإنقاذ أو بعثات IOM). في حال انقطاع الاتصال، قد يعتمد الركاب على نشر استغاثات عبر فيسبوك من هواتف أخرى أو عبر أقاربهم المتابعين، ما يرفع احتمالية استجابة أسرع. الأهم أن يبقى المهاجرون معًا في مكان واحد قدر الإمكان، ويحافظوا على البطارية باستخدامها فقط للاتصال والاستغاثة، حتى تصل فرق المساعدة.

كيف تعمل “الاستغاثة الرقمية” عمليًّا؟

مشاركة الموقع عبر واتساب: توضح مواد (Alarm Phone) -شبكة تطوعية تدعم من يواجهون الخطر في المتوسط- أن التواصل يبدأ عادةً باتصال/رسالة، ثم يُطلب من الركّاب إرسال ملف أو نقطة GPS على واتساب كي تُحيل الشبكة البلاغ إلى مراكز الإنقاذ المختصة. وتنشر الشبكة نشرات إرشادية بالعربية حول المخاطر والإجراءات على المسارات المختلفة، بما فيها “الوسطى” بين ليبيا/تونس وإيطاليا/مالطا.

التوثيق: تُسهم منشورات ومقاطع على فيسبوك/إكس من ركّاب أو أقاربهم في رفع “الإنذار العام” ودفع السلطات أو سفن الإغاثة للاستجابة، مع قيام منظمات كـMSF وسفن المجتمع المدني بمتابعة البلاغات التي تصلها مباشرة أو عبر وسطاء.

دراسات “مركز الهجرة المختلطة” وثّقت منذ 2016 أن المهاجرين يعتمدون على فيسبوك وواتساب ليس فقط قبل الرحلة (جمع معلومات) بل في أثناءها لطلب مساعدة أو مشاركة الطريق والطقس ونقاط الخطر.

أمثلة من شمال إفريقيا

  • المتوسط – منطقة مالطا/تونس: في يونيو 2025، تواصل ركّاب قارب عالق عند منصّة “مسكر” الغازية مع “هاتف الإنذار”، الذي أحال البلاغ إلى مالطا وإيطاليا. تُظهر القضية كيف تُستخدم رسائل فورية ومشاركة إحداثيات لتفعيل قنوات الإنقاذ الرسمية.
  • المتوسط – قبالة ليبيا: تحقيق لرويترز (19 أغسطس 2025) يوثّق قاربًا مطاطيًّا تعطّل محرّكه، وتدخّل متطوّعون من “هاتف الإنذار” بالتواصل وإرشاد الركّاب بينما تولّت سفينة Geo Barents التابعة لـMSF عملية الإنقاذ لاحقًا
  • الصحراء/النيجر: تُظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) والبلاغات الميدانية إنقاذ عشرات العالقين في تنيري مرارًا بعد إشعارات واستغاثات تُمرَّر إلى الحماية المدنية في النيجر، كما تعمل شبكة Alarm Phone Sahara محليًّا على تلقّي البلاغات وتنبيه السلطات. في سبتمبر 2025 أنقذت فرق IOM والحماية المدنية 83 مهاجرًا، وفي أغسطس 2025 سُجّلت وفيات وإنقاذات متكرّرة شمالي النيجر وسط نشاط متطوّعي الشبكة.

تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عام 2024 شهد 2,452 وفاة/اختفاء موثّقًا في البحر المتوسط، مع بقاء المسار المركزي (من ليبيا/تونس) الأخطر. كما سجّلت تقارير مخصصة للمنطقة أن المسارات البحرية تظلّ الأكثر فتكًا.

محدودية عمل الأداة والمخاطر المصاحبة

  • انقطاع الاتصال والطاقة، فضعف التغطية، أو نفاد البطاريات، أو هبوب العواصف قد يُفشل نقل الإحداثيات أو متابعة البلاغات. (يتعامل “هاتف الإنذار” مع ذلك بطلب أكثر من نقطة GPS وتكرار المحاولات).
  • المراقبة والاستهداف الرقمي: تلقّى ناشطون في إنقاذ البحر تنبيهات من “ميتا” بشأن استهدافهم ببرمجيات تجسّس، ما يبرز أن قنوات الاستغاثة نفسها قد تكون عرضة للاختراق أو التعطيل. بالنسبة للمهاجرين، يعني ذلك إمكان اقتفاء أثرهم أو اعتراض اتصالاتهم.
  • التضليل والاستغلال: تنبّه تقارير حقوقية وإعلامية إلى بيئة اعتقال وإساءة في ليبيا تضعف فرص الحماية لمن أُعيدوا قسرًا، فيما تُظهر تحقيقات أخرى استغلال شبكات التهريب لمنصّات التواصل لجمع فِدى أو نشر معلومات مضلِّلة، ما يستلزم تحقّقًا صحفيًّا صارمًا قبل النشر.

منصّات التواصل -خصوصًا واتساب وفيسبوك- أصبحت أداة إنقاذ مساعِدة في البحر والصحراء، تربط بين ركّاب القوارب ومجتمعات الدعم والسلطات. لكنها ليست ضمانة للنجاة، فمن دون تغطية واتصال واستجابة رسمية سريعة، تبقى المخاطر مميتة.

دمج تقنية الاستغاثة الرقمية ضمن منظومة بحث وإنقاذ فعّالة، مدعومة بممرات آمنة وقانونية، هو ما يمنح هذه الأداة فعاليتها الكاملة.