في بيان رسمي نشره المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية بتاريخ 25 يونيو 2026، أعلنت الرئاسة عن استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، وتضمّن البيان جملة من التصريحات المتعلقة بملف اللاجئين في مصر.
التصريح الأول
“استضافة أكثر من عشرة ملايين ونصف المليون أجنبي ومهاجر ولاجئ من جنسيات مختلفة”
الحكم: ادعاء مضلل، الرقم يخلط بين فئات قانونية مختلفة تمامًا
- من هم الـ10.5 مليون؟ الفرق بين “الأجنبي” و”اللاجئ”
قبل الحكم على الرقم، لا بد من فهم أن البيان يجمع في سلة واحدة فئات مختلفة اختلافًا جذريًّا في وضعها القانوني وحقوقها والتزامات الدولة تجاهها.
الفئة الأولى اللاجئون وطالبو اللجوء المسجلون:
اللاجئ في القانون الدولي هو الشخص الذي يوجد خارج بلده بسبب خوف حقيقي من الاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء لفئة اجتماعية أو الرأي السياسي، ولا يستطيع أو لا يريد العودة إليه. أما طالب اللجوء فهو من قدّم طلب الحماية ولم يُبَتّ فيه بعد، ويتمتع خلال هذه الفترة بحماية مؤقتة من الترحيل. وعلى هذا الأساس تحديدًا، تترتب على الدولة المضيفة التزامات قانونية دولية ملزمة لا يمكن إخضاعها للسلطة التقديرية.
وفق آخر بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة في 31 ديسمبر 2025، بلغ إجمالي اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين رسميًّا في مصر 1,098,311 شخصًا من نحو 60 جنسية، يتصدّرهم السودانيون بـ834,201 شخصًا يليهم السوريون بـ117,364.هؤلاء وحدهم هم من يحملون وضعًا قانونيًّا للحماية الدولية بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967.
الفئة الثانية المهاجرون على إقامات نظامية:
المهاجر في القانون الدولي هو الشخص الذي يغادر بلده أو إقامته المعتادة طوعًا لأسباب شخصية أو اقتصادية أو عائلية أو دراسية، دون أن يكون مدفوعًا بخوف من الاضطهاد أو تهديد للحياة، وهو بهذا التعريف يختلف جذريًّا عن اللاجئ من حيث الوضع القانوني والحقوق المترتبة على الدولة المضيفة تجاهه. أما الأجنبي المقيم فهو كل شخص يحمل وثيقة إقامة سارية في دولة لا يحمل جنسيتها، سواء كانت تأشيرة عمل أو دراسة أو إقامة تجارية أو لمّ شمل، وتنظّم علاقته بالدولة المضيفة تشريعات الهجرة الوطنية لا منظومة الحماية الدولية.
وعلى هذا الأساس، فإن الرقم الإجمالي الوارد في البيان الرئاسي يشمل ملايين الأجانب المقيمين بتأشيرات عمل أو دراسة أو إقامة تجارية، وهم لا يندرجون ضمن منظومة اللجوء أصلًا ولا تلتزم الدولة تجاههم بأي واجب حماية خاص بموجب اتفاقية 1951.
لماذا هذا الخلط مُضلِّل قانونيًّا؟
دمج هذه الفئات في رقم واحد يطمس الفارق القانوني الجوهري بين “اللاجئ” الحامل لحق الحماية، و”الأجنبي المقيم” الذي لا تلتزم الدولة تجاهه بأي واجب حماية خاص وقد أكد تقرير داخلي للمفوضية الأوروبية اطّلعت عليه رويترز عام 2024 أن نحو 1.5 مليون فقط من أصل التسعة ملايين التي تدّعي مصر استضافتهم كانوا في أوضاع هشة فعلية، وأن قرابة مليون منهم فقط مسجّلون كلاجئين وطالبي لجوء لدى المفوضية حتى مايو 2025.
التصريح الثاني
“مصر لم تستخدم يومًا قضية اللاجئين لتحقيق أهداف سياسية”
الحكم: ادعاء كاذب، يتناقض مع توظيف ملف اللاجئين في المفاوضات الأوروبية
- التوظيف الفعلي لملف اللاجئين في السياسة الخارجية المصرية
في 17 مارس 2024، وقّعت الحكومة المصرية مع الاتحاد الأوروبي “شراكة إستراتيجية شاملة” بقيمة 7.4 مليار يورو، خُصّص منها 200 مليون يورو صراحةً لإدارة الهجرة وتعزيز ضبط الحدود. قد وثّق معهد هاينريش بول أن مصر استخدمت حجم الأعداد الكبيرة للاجئين ورقةَ ضغط في هذه المفاوضات للحصول على دعم مالي أوروبي مقابل تشديد ضبط الحدود.
وأوضح أندرو جيدز، مدير مركز سياسة الهجرة بمعهد روبرت شومان، أن “نفوذ مصر تجاه الاتحاد الأوروبي ازداد بوضوح لأن الحكومات الأوروبية تتعرض لضغوط محلية لتقليص الهجرة غير النظامية، وقد قوّى النزوح السوداني حجة مصر بأنها تواجه أعباءً متصاعدة”. كما تزامنت أعنف موجات الترحيل الجماعي للاجئين مع فترات التفاوض مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما وصفته منصة اللاجئين في مصر بأنه يرتبط بـ”التوسّع في التعاون المصري الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة”.
التصريح الثالث
“توفير الخدمات الأساسية للاجئين في حدود قدراتها مع ضمان احترام القوانين المصرية والتزاماتها الدولية”
الحكم: ادعاء غير دقيق، غالبية الخدمات المقدمة للاجئين وملتمسي اللجوء تُموَّل من تبرعات الدول المانحة والاتحاد الأوروبي عبر المفوضية وشركائها، غير أن اللاجئين يستفيدون أيضًا من المنظومة الخدمية الحكومية المصرية كالتعليم والصحة، ما يعني أن الموازنة العامة تتحمل جزءًا غير مباشر من هذه الأعباء.
- التزامات مصر الدولية بين النص والواقع:
رغم صدور قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 ولائحته التنفيذية، فإنهما لم يعالجا عددًا من الإشكاليات الأساسية المتعلقة بالتزامات مصر الدولية تجاه اللاجئين. فقد خلا القانون واللائحة من نص صريح يكرس مبدأ عدم الإعادة القسرية بوصفه ضمانة تنطبق على جميع طالبي اللجوء واللاجئين في جميع مراحل الإجراءات، كما أن المادة (13) من القانون قصرت الحماية من التسليم أو الإعادة على الأشخاص الذين مُنحوا بالفعل صفة اللاجئ، دون أن تمتد هذه الحماية صراحة إلى طالبي اللجوء الذين لم يُفصل بعد في طلباتهم.
كما أبقى التشريع على التمييز بين اللاجئين وطالبي اللجوء في عدد من الحقوق والإجراءات. فقد فرّق بين الدخول النظامي وغير النظامي من حيث مواعيد تقديم طلب اللجوء، والمدة المحددة للفصل في الطلبات، كما قصر بعض الخدمات الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية، على اللاجئين المعترف بهم، بينما جعل استفادة طالبي اللجوء من بعض هذه الخدمات مرهونة بالتنسيق مع الجهات والمنظمات المختصة.
ولم تقتصر الانتقادات على النصوص التشريعية، بل امتدت إلى التطبيق العملي؛ إذ وثقت منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان استمرار حملات أمنية استهدفت اللاجئين وطالبي اللجوء، شملت الاعتقال التعسفي والترحيل، بما في ذلك حالات لأشخاص كانوا يحملون وثائق سارية صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما أثار تساؤلات جدية بشأن مدى التزام الممارسة الفعلية بالضمانات التي يفرضها القانون الدولي للاجئين.
التصريح الرابع
“تدشين منظومة اللجوء الوطنية الجديدة واللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين”
الحكم: ادعاء صحيح جزئيًّا، القانون صدر لكن مخاوف جدية تحيط بتطبيقه
- ما الذي صدر فعلًا؟
صدَّق الرئيس في ديسمبر 2024 على قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، وأنشأ بموجبه “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين” التابعة لمجلس الوزراء، وصدرت اللائحة التنفيذية له في يونيو 2026.
لكن ما لم يُذكر؟
وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش مخاوف جدية من أن القانون يمنح وزير الداخلية سلطة تقديرية لرفض طلبات اللجوء “لاعتبارات أمنية” دون ضمانات كافية لحق الطعن، وأنه يُجرّم الدخول غير النظامي حتى في حالات الفرار من الحرب. وأشار تقرير منظمة Refugees International إلى أن بنود “الأمن القومي” الواردة فيه “مبهمة وتُهدد حتى اللاجئين المعترف بهم.
التصريح الخامس
“إستراتيجية المفوضية تستهدف تقليص أعداد اللاجئين عالميًّا”
الحكم: غير دقيق، صياغة مُضلِّلة تخلط بين أهداف المفوضية والنتائج التي قد تترتب عليها.
الهدف الرسمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ليس “تقليص أعداد اللاجئين”، وإنما الوصول إلى حلول دائمة للاجئين، وتشمل ثلاثة مسارات رئيسية:
- العودة الطوعية الآمنة والكريمة عندما تسمح الظروف.
- الاندماج المحلي في دولة اللجوء حيثما أمكن.
- إعادة التوطين في دولة ثالثة.
وبالتالي فإن انخفاض أعداد اللاجئين، إذا تحقق، يُعد نتيجة محتملة لهذه الحلول وليس هدفًا قائمًا بذاته، لأن استخدام تعبير “تقليص الأعداد” قد يُفهم على أنه يشمل الترحيل أو الإعادة القسرية، وهو ما يتعارض مع ولاية المفوضية والقانون الدولي.
ووفق تقرير الاتجاهات العالمية للمفوضية الصادر في يونيو 2026، بلغ عدد الأشخاص المهجَّرين قسرًا حول العالم 117.8 مليون شخص بنهاية عام 2025، وهو رقم لا يزال من بين أعلى المستويات المسجلة عالميًّا رغم تسجيل انخفاض مقارنة بالعام السابق.
السياق الأوسع الغائب عن البيان
أولًا – أزمة التمويل وتراجع الخدمات:
أطلقت المفوضية في يونيو 2025 نداءً عاجلًا، معلنةً أن التمويل المخصص للفرد تراجع إلى ربع مستوياته السابقة. وبحلول مايو 2026، كان أكثر من نصف اللاجئين في مصر يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وواحد من كل ثلاثة سودانيين يفتقر إلى الرعاية الطبية، وقرابة نصف أطفال اللاجئين خارج المدارس.
ثانيًا – حملات الترحيل الجماعية:
كشف تحقيق The New Humanitarian الاستقصائي بالتعاون مع منصة اللاجئين في مصر، عن قائمة داخلية صادرة عن سلطة الجوازات المصرية بتاريخ 30 سبتمبر 2025 تُسجّل نقل 24 سودانيًّا من الاحتجاز إلى إجراءات الترحيل في يوم واحد. وأفاد مصدران أمنيان مصريان لرويترز بأن الأجهزة الأمنية رحّلت قرابة 21 ألف سوداني حتى نهاية مارس 2025. وفي يناير 2026، وثّقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية احتجاز ما بين 5 آلاف و10 آلاف لاجئ خلال أسبوعين فقط.
ثالثًا – اعتقال حاملي الوثائق الصالحة:
وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقال 22 لاجئًا وطالب لجوء بشكل تعسفي بين ديسمبر 2025 وفبراير 2026، 15 منهم مسجلون رسميًّا لدى المفوضية وقت الاعتقال، وثلاثة كانت لديهم مواعيد رسمية لتجديد الإقامة ووثّق تحقيق The New Humanitarian أن بعض حالات الاعتقال تضمّنت مصادرة وثائق المفوضية لتصيير أصحابها “غير موثَّقين” قبل إجراءات الترحيل.
رابعًا – وفيات في الاحتجاز:
أفاد مصدران أمنيان مصريان لرويترز بأن تسعة سودانيين لقوا حتفهم في الاحتجاز دون توضيح الملابسات. ووثّقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وفاة طفل سوداني في فبراير 2026 داخل مركز احتجاز بعد اعتقاله وهو يحمل وثيقة مفوضية سارية، وكان قد أُوقف في أثناء شرائه الطعام لعائلته. كما وثّقت منصة اللاجئين في مصر سلسلة وفيات متتالية داخل مراكز الاحتجاز المصرية، بلغت اثنتا عشرة حالة وفاة منذ بداية العام الحالي فقط، وطالبت المنصة النيابة العامة بفتح تحقيق جنائي شامل في ملابسات جميع هذه الوفيات.
خامسًا – وضع المُرحَّلين في السودان:
أكد تقرير منظمة الهجرة الدولية في أكتوبر 2025 أن أكثر من مليون شخص عادوا إلى الخرطوم وحدها خلال عشرة أشهر، ليجدوا منازل متضررة في مدينة تعاني شحّ الكهرباء والمياه وضعف الرعاية الصحية وخطر الكوليرا ووجود ذخائر غير منفجرة. وأشار تقرير IOM إلى أن 89% من العائدين إلى السودان من الخارج قدموا من مصر تحديدًا، وأن 9% منهم أشاروا إلى “صعوبات قانونية في الخارج” سببًا للعودة.
خاتمة:
تكتسب هذه الزيارة دلالة إضافية حين تُقرأ في سياقها التشريعي الكامل، فقد نشرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في فبراير 2025 تعليقاتها الرسمية على قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، رصدت فيها جملة من الإشكاليات الجوهرية المتعلقة بغياب ضمانات عدم الإعادة القسرية وانعدام مرحلة انتقالية واضحة وإشكاليات التعريف القانوني للاجئ.
وفي اليوم التالي لإصدار القانون مباشرةً، أرسل سبعة مقررين خواص من مجلس حقوق الإنسان الأممي رسالة مشتركة إلى الحكومة المصرية حذّروا فيها من أن القانون “سيقصر بشكل ملحوظ عن معايير حقوق الإنسان الدولية وقانون اللاجئين”. والجدير بالذكر أن المفوضية أكدت لصحيفة مدى مصر أنها لم تطّلع على النص الكامل للقانون إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية، وهو ما يتعارض مع المادتين 35 و36 من اتفاقية 1951 اللتين تُلزمان الدول بالتعاون مع المفوضية وإحاطتها علمًا بأي تشريعات تتعلق باللاجئين قبل إقرارها.
غير أن اللائحة التنفيذية التي صدرت في يونيو 2026 جاءت دون أن تأخذ بأيٍّ من هذه الملاحظات الجوهرية، ودون إشراك حقيقي للمفوضية أو منظمات المجتمع المدني في صياغتها، وفق ما ذكرته منصة اللاجئين في مصر وعليه، تجري زيارة المفوض السامي برهم صالح في وقت تتسع فيه الهوة بين الخطاب التشريعي الرسمي وواقع اللاجئين الميداني؛ إذ بلغت الوفيات داخل مراكز الاحتجاز اثنتا عشرة حالة =موثقة منذ بداية العام الحالي، فيما رحّلت السلطات ما يقارب 21 ألف سوداني حتى نهاية مارس 2025 وفق مصادر أمنية لرويترز، في مشهد يجعل من التساؤل عن مآلات هذه الزيارة أمرًا مشروعًا.