قبل عام 2011، كانت ليبيا تستضيف ما يزيد على مليوني عامل مصري وفق بيانات الجهاز المركزي المصري للتعبئة والإحصاء. أفضت الحرب الأهلية والانقسام السياسي إلى خروج غالبيتهم، ثم بدأت موجات عودة تدريجية مع انفراج نسبي في الأوضاع وانطلاق مشروعات إعادة الإعمار.
في الفترة المرصودة يمكن تصنيف الوجود المصري في ليبيا ضمن ثلاث فئات متداخلة: عمالة نظامية مسجَّلة، ومهاجرين غير نظاميين يسعون للعبور نحو أوروبا أو للعمل غير المرخَّص، ومحتجزين في دور الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.
العمالة النظامية – الإطار والواقع
أطلقت وزارتا العمل في مصر وليبيا منظومة ربط إلكتروني مشتركة تُتيح نشر الوظائف الليبية على البوابة الرسمية المصرية، وتسجيل العمال في قاعدة بيانات مركزية بهدف ضمان حمايتهم القانونية.
في سبتمبر 2025، ناقش وزير العمل الليبي علي العابد مع السفير المصري تامر الحفني أوضاع العمالة المصرية، وشدَّد على ضرورة تسوية الأوضاع القانونية للعمال والالتزام بالتشريعات النافذة. طالب العابد أيضًا بأن تضطلع السفارة المصرية بدور أكبر في توعية مواطنيها وحثِّهم على الالتزام بقوانين العمل الليبية.
على صعيد الأرقام، تُشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن 84% من العمالة المهاجرة في ليبيا تعمل بموجب تصاريح وعقود رسمية، 29% في قطاع النقل و65% في العمالة المنزلية. كما أن 38% من المهاجرين يجهلون آليات الحصول على تصريح عمل، وترتفع هذه النسبة إلى 69% بين عمال النظافة.
يبقى الدافع الاقتصادي هو المحرِّك الأساسي، فمتوسط الراتب في ليبيا 800 دولار شهريًّا، وهو رقم بالغ الجاذبية قياسًا بالدخول المحلية المصرية في المحافظات ذات الكثافة المهاجرة. على صعيد مشروعات إعادة الإعمار، وقَّع البلدان 14 مذكرة تفاهم و6 عقود تنفيذية تُقدَّر قيمتها بما يصل إلى 19 مليار دولار في قطاعات الكهرباء والبنية التحتية والصحة والتعليم. وفي مايو 2026، التقى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بمدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر لمتابعة تنفيذ هذه المشروعات.
ليبيا نقطة عبور
البنية الجغرافية التي تجعل ليبيا محطة لا مفر منها:
تحتل ليبيا موقعًا فريدًا على خريطة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، إذ تمتلك ساحلًا يبلغ طوله نحو 1,770 كيلومترًا يُطل مباشرةً على البحر المتوسط، ولا تفصل أقرب نقاطه عن جزيرة لامبيدوزا الإيطالية سوى نحو 300 كيلومتر انطلاقًا من الساحل الغربي، فيما تبعد جزيرة كريت اليونانية نحو 300 إلى 350 كيلومترًا عن الساحل الشرقي عند طبرق، وهو المسار الذي شهد تصاعدًا ملحوظًا في الانطلاق منه منذ عام 2024 وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وتوصيفات وكالة فرونتكس. هذا القرب الجغرافي من أوروبا مقترنًا بهشاشة المنظومة الأمنية الليبية وغياب السيطرة الفعلية على الحدود البرية الممتدة لنحو 4,339 كيلومترًا مع السودان والنيجر وتشاد والجزائر وتونس ومصر، حوَّل الأراضي الليبية إلى ممر عبور رئيسي لكل من يسعى إلى العبور البحري نحو أوروبا قادمًا من إفريقيا جنوب الصحراء أو من مصر والسودان، وهو ما وثّقته المفوضية السامية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر في فبراير/شباط 2026، الذي رصد استمرار شبكات التهريب والاتجار في استغلال هذا الفراغ الأمني على نطاق ممنهج. كما وصفها صراحةً بأنها ليست “ميناءً آمنًا للإنزال”، في إشارة إلى أن إعادة المهاجرين المعترَضين في البحر إلى ليبيا تعرِّضهم فورًا لدورة الانتهاكات ذاتها التي فرُّوا منها.
كيف يصل المصريون إلى ليبيا؟
المسار البري الرسمي
يدخل قسم من المصريين عبر منفذ أمساعد البري الرسمي بين مصر وليبيا، وهو المنفذ الوحيد البري المعتمد بين البلدين في الشمال. يُسجِّل هؤلاء أنفسهم بوصفهم عمالًا أو زوَّارًا، ثم يدخلون تدريجيًّا إلى الوضع غير النظامي إما بتجاوز مدة الإقامة أو بالعمل خارج نطاق تصريح العمل، وهو مسار أكثر أمانًا في البداية لكنه يُفضي في كثير من الأحيان إلى الاحتجاز لاحقًا.
المسار الصحراوي غير الرسمي
يصل عدد آخر عبر طرق التهريب الصحراوية الجنوبية التي تشقُّ الصحراء الكبرى، وهي طرق خارج أي رقابة رسمية يسيطر عليها المهرِّبون سيطرةً كاملة. يقطع المهاجرون عبرها مئات الكيلومترات من الصحراء في ظروف قاسية قبل الوصول إلى المدن الليبية الداخلية مثل: سبها والكفرة وأوباري. هذا الطريق يُعرِّض أصحابه لمخاطر الموت عطشًا أو للتِّيه الصحراء قبل أن تبدأ رحلة البحر أصلًا.
محطات الانتظار داخل ليبيا
لا يصل المهاجرون من الحدود المصرية أو الصحراء مباشرةً إلى الشاطئ، فبين نقطة الدخول ونقطة الإبحار شبكة معقدة من المحطات المتوسطة التي تُحكم فيها عصابات التهريب قبضتها على المهاجرين.
التجميع في المدن الداخلية
تبدأ الرحلة في الغالب بمرحلة تجميع في مدن الداخل الليبي مثل: سبها أو الكفرة أو غريان، إذ يُودَع المهاجرون في منازل أو مخازن أو مزارع تُشغِّلها شبكات التهريب. في هذه المرحلة تبدأ المطالبة بالمال؛ من لا يملك ثمن الانتقال إلى المرحلة التالية يبقى محتجزًا أو يُعرَض للعمل القسري سدادًا للدَّين. وقد وثَّقت تقارير عمليات احتجاز مصريين وسودانيين داخل مزارع في منطقة الوتر جنوب طبرق، وتمكَّنت السلطات الليبية من تحرير بعضهم في مارس 2025.
الانتقال إلى الساحل
يُنقَل المهاجرون إلى مدن الساحل الغربي وفي مقدمتها زوارة وصبراتة وزليتن والخمس. في هذه المدن يُحشَرون مجددًا في بيوت الانتظار -وهي في الغالب مستودعات أو شقق مكتظة- ريثما تتهيأ “الفرصة” للإبحار، وقد تمتد فترة الانتظار هذه لأسابيع أو أشهر.
الاستغلال في مرحلة الانتظار
بمجرد وصول المهاجر إلى بيت الانتظار قرب الساحل، تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا عما تخيَّله حين دفع ثمن الرحلة. وصف تقرير الأمم المتحدة ما يجري في هذه المرحلة بأنه “نموذج أعمال استغلالي ممنهج”، وهو توصيف دقيق لأن ما يحدث ليس فوضى أو إهمالًا، بل منظومة مُحكمة مُصمَّمة لاستخراج أقصى قدر ممكن من المال من أشخاص لا يملكون شيئًا يخسرونه سوى حياتهم.
أول ما يفعله المهرِّبون عند استلام المهاجر هو مصادرة وثيقة هويته -جواز سفره أو بطاقته الشخصية- وهذه الخطوة ليست عشوائية. بلا وثيقة هوية يصبح المهاجر شخصًا غير موجود رسميًّا؛ لا يستطيع الذهاب إلى الشرطة، ولا إثبات جنسيته لأي جهة، ولا المطالبة بأي حق. الوثيقة المصادرَة هي رأس المال الذي يضمن للمهرِّب السيطرة الكاملة، وهي في الوقت ذاته سلعة يُعيد بيعها أو يستخدمها ورقةَ ابتزاز إضافية.
بعد ذلك فى بعض الحالات تبدأ آلية الفدية. يُخبَر المهاجر أن ثمة رسومًا إضافية لم تُذكر في البداية، أو أن السعر ارتفع، أو أن عليه دفع مبلغ جديد مقابل الحماية داخل بيت الانتظار. من يملك المال يدفع وينتظر دوره في الإبحار. أما من لا يملك فله مسارات ثلاثة لا رابع لها: إما الاتصال بأهله في مصر وطلب إرسال المبلغ عبر شبكات الحوالة -وهو ما يحدث في أغلب الحالات- وإما العمل القسري في مواقع البناء أو الزراعة أو الخدمة المنزلية سدادًا للدَّين، وإما البيع لشبكة تهريب أخرى تدفع ثمنه نقدًا وتبدأ معه الدورة من الصفر في مكان أبعد وبظروف أسوأ.
ما يجعل هذه المنظومة أشد خطورة هو أن المهرِّبين في أحيان كثيرة مرتبطون بالسلطات الليبية الرسمية أو يعملون بتغطية منها، وهو ما أكده التقرير الأممي ذاته، ما يعني أن المهاجر لا يجد جهة يلجأ إليها حتى لو أراد الإفلات. من يحاول الهرب يُعاد قسرًا، ومن يرفض العمل يُعاقَب، ومن يختفي لا يسأل عنه أحد.
لحظة الإبحار
تنطلق مراكب التهريب من شريط ساحلي ممتد يضم مدن زوارة وصبراتة والزاوية والخمس وصرمان ومصراتة وزليتن، وتُعدُّ صبراتة الواقعة على بعد 70 كيلومترًا غرب طرابلس من أبرز هذه النقاط وأكثرها نشاطًا على الإطلاق.
تُستخدَم في الغالب قوارب مطاطية أو قوارب خشبية قديمة، وتُحشَر فيها أعداد تتجاوز طاقتها الاستيعابية بمراحل في محاولة لتعظيم أرباح المهرِّبين على حساب سلامة الركاب.
الضبط البري قبل الإبحار
في فبراير 2025، أحبطت دوريات الغرفة الأمنية المشتركة بالجبل الغربي محاولات إبحار وضبطت مجموعات من المهاجرين كانوا يستعدون للانطلاق من منطقة زوارة.
في مارس 2025، ضبطت السلطات الليبية 65 مصريًّا وسودانيًّا في منطقة البنمبة شمالًا كانوا على وشك الإبحار قبل أن تتمكن مراكبهم من مغادرة الشاطئ.
في سبتمبر 2025، شنَّت السلطات الأمنية في مصراتة حملة أسفرت عن اعتقال عشرات المهاجرين غير النظاميين من داخل المدينة.
في أكتوبر 2025، ضبطت مديرية أمن صبراتة عددًا من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة خلال حملة ميدانية استهدفت الحدَّ من اتخاذ المدينة قاعدةً رئيسية لانطلاق رحلات التهريب.
في نوفمبر 2025، داهمت مديرية أمن صبراتة “وكرًا من أوكار تجار البشر” وضبطت عددًا من المهاجرين بداخله، كما صادرت قوارب حديثة الصنع كانت مُعدَّة للاستخدام في عمليات التهريب.
في نوفمبر 2025 أيضًا، شنَّت طائرات تابعة لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية غاراتٍ جوية على قوارب داخل ميناء زوارة كانت مُعدَّة لتهريب المهاجرين، في عملية جاءت بعد رصد دقيق لتحركات شبكات التهريب في المنطقة.
الاعتراض البحري
من يُفلح في مغادرة الشاطئ يواجه خفر السواحل الليبي، الذي يتلقى دعمًا ماليًّا ولوجستيًّا من الاتحاد الأوروبي وإيطاليا بهدف احتواء تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى الشواطئ الأوروبية. بدأ هذا الدعم بتدريب أطقم خفر السواحل الليبي ضمن العملية البحرية الأوروبية “صوفيا” عام 2016، ثم تكرَّس بإطارين متزامنين في فبراير/شباط 2017: مذكرة التفاهم الإيطالية-الليبية التي خصصت بموجبها إيطاليا وحدها نحو 32.6 مليون يورو لدعم خفر السواحل الليبي حتى عام 2021، وإعلان مالطا الأوروبي الذي جعل تدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي أولويةً معلنة، لمنع المغادرات من الساحل الليبي.
وفي يوليو/تموز 2017، اعتمد صندوق الائتمان الأوروبي الطارئ لإفريقيا برنامج “دعم الإدارة المتكاملة للحدود والهجرة في ليبيا” الذي بلغ تمويله الإجمالي عبر مرحلتيه 91.3 مليون يورو، وشمل توريد سفن جديدة مع برامج صيانة، وإنشاء شبكة اتصالات لمركز تنسيق الإنقاذ البحري على طول الساحل، والمساعدة في إعلان منطقة بحث وإنقاذ ليبية تتيح للسلطات الليبية اعتراض القوارب في نطاق بحري واسع. وبذلك تحوَّل خفر السواحل الليبي عمليًّا إلى الذراع البحرية الأمامية لسياسة الاحتواء الأوروبية، رغم التوثيق المتراكم لانتهاكاته بحق المهاجرين وسفن الإنقاذ على السواء.
غير أن ما يُثير القلق لا يقتصر على أعداد المعترَضين، بل يمتد إلى أسلوب التعامل معهم :
من تقرير المنظمة الدولية للهجرة – الجولة 56 (يناير–فبراير 2025): في يناير وفبراير 2025 وحدهما، اعترضت السلطات الليبية 4,204 مهاجرين بمعدل أسبوعي تجاوز 520 شخصًا، بزيادة 9% عن الفترة السابقة.
من تقرير المنظمة – الجولة 59 (أغسطس–أكتوبر 2025): خلال عام 2025 حتى نهاية أكتوبر، اعترضت السلطات الليبية وأعادت إلى الشاطئ 22,891 مهاجرًا حاولوا عبور المتوسط، منهم 86% رجال و9% نساء و3% أطفال، فيما سُجِّلت 1,184 حالة وفاة أو اختفاء على الطريق المركزي في الفترة ذاتها.
من تقرير المنظمة – الجولة 60 (نوفمبر–ديسمبر 2025): في عام 2025 وصل 58,408 أشخاص غادروا من ليبيا إلى إيطاليا، أي 88% من إجمالي الواصلين إليها، وبلغ مجموع الوفيات والمفقودين على الطريق المركزي طوال العام 1,330 شخصًا.
غير أن ما يُثير القلق الحقوقي لا يقتصر على أعداد المعترَضين، بل يمتد إلى أسلوب التعامل معهم، وقد بلغ هذا الأسلوب ذروته في سلسلة اعتداءات مسلحة موثقة:
في 24 أغسطس/آب 2025، تعرَّضت سفينة الإنقاذ Ocean Viking التابعة لمنظمة SOS Méditerranée بالشراكة مع الاتحاد الدولي للصليب الأحمر لإطلاق نار متواصل قرابة عشرين دقيقة من زورق دورية تابع لخفر السواحل الليبي، بينما كانت تبحث عن قارب مهاجرين في المياه الدولية على بعد 40 ميلًا بحريًّا شمال الساحل الليبي وعلى متنها 87 ناجيًا انتشلتهم قبل ساعات. استهدف الرصاص برج القيادة مباشرةً محدثًا ثقوبًا على ارتفاع الرأس، ودمَّر هوائيات الاتصال وأربع نوافذ وأصاب قوارب الإنقاذ السريعة الثلاثة. والمفارقة التي وثّقتها المنظمة أن زورق الدورية المهاجِم – من طراز Corrubia ويحمل اسم Houn PB 664 – كانت إيطاليا قد أهدته إلى ليبيا عام 2023 ضمن برنامج “دعم الإدارة المتكاملة للحدود” الأوروبي ، أي أن سلاح الاعتداء على سفينة إنقاذ أوروبية جاء من التمويل الأوروبي نفسه. وقد أثارت الواقعة مذكرة رسمية من المقررين الخواص للأمم المتحدة وُجِّهت في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى حكومتَي ليبيا وإيطاليا وبعثة الاتحاد الأوروبي؛ ردَّت إيطاليا والاتحاد في ديسمبر 2025، فيما لم تردّ السلطات الليبية إطلاقًا.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، طاردت سفن خفر السواحل الليبي قاربًا يحمل قرابة 40 مهاجرًا داخل منطقة البحث والإنقاذ المالطية حتى اضطرت سفينة Sea-Watch 5 للتدخل لإنقاذهم، وفي 26 سبتمبر تعرضت السفينة ذاتها لإطلاق نار من زورق خفر السواحل الليبي “أوباري” قبالة طرابلس – وهو زورق إيطالي وفق توثيق SOS Méditerranée، التي أحصت سبعة زوارق ليبية متورطة في اعتداءات، جميعها مقدَّمة من إيطاليا نيابةً عن الاتحاد الأوروبي، مذكّرةً بأن فريق خبراء مجلس الأمن المعني بليبيا سبق أن عدَّ في 2022 إهداء زورقين من الطراز ذاته انتهاكًا لحظر توريد السلاح الأممي.
وفي أكتوبر 2025، هاجمت زوارق ليبية مركب صيد يقل نحو 140 مهاجرًا في المياه الدولية جنوب مالطا، وأسفر الهجوم عن إصابة ثلاثة أشخاص أُجلوا إلى مدينة بوزالو الإيطالية.
وليست هذه الوقائع سوى الحلقات الأحدث في نمط ممتد؛ إذ رصدت منظمة Sea-Watch بين عامَي 2022 و2025 ما لا يقل عن 14 حالة إطلاق نار مباشر من خفر السواحل الليبي على قوارب مهاجرين وسفن إنقاذ في المياه الدولية، وفي أبريل/نيسان 2026 أعلنت المنظمة رفع دعاوى جنائية أمام محاكم أوروبية ضد خفر السواحل التابع لحكومة الوحدة الوطنية بتهمة استخدام العنف المسلح ضد سفن إنقاذ مدنية.
ماذا يعني الاعتراض عمليًّا؟
إعادة المعترَضين إلى ليبيا لا تعني الأمان، بل تعني في الغالب الإيداع الفوري في مراكز الاحتجاز أو تسليمهم لشبكات التهريب ذاتها في حلقة مفرغة. وقد أكدت منظَّمتا IOM وUNHCR معًا هذه الحقيقة في بيان مشترك صريح: “نكرر أنه لا ينبغي إعادة أحد إلى ليبيا”.
المحتجزون:
في نهاية فبراير 2025، كان 5,046 شخصًا محتجزين في مراكز الاحتجاز الرسمية الليبية التابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية (DCIM)، من بينهم 648 شخصًا (13%) يحتاجون إلى حماية دولية، ويُودَع هؤلاء دون أي إجراءات قانونية رسمية.
وفي 28 أبريل 2025، وثَّقت UNHCR احتجاز 2,663 مهاجرًا وطالب لجوء (من بينهم نساء وأطفال) في ثمانية مراكز احتجاز رسمية، مع تسجيل 15 مركزًا تشغيليًّا يديرها DCIM. غير أن هذه الأرقام لا تشمل مراكز الاحتجاز غير الرسمية التي تديرها الميليشيات ويتعذَّر إحصاؤها.
وبحسب تقرير UNHCR السنوي لعام 2024، تتراوح أعداد المحتجزين في المراكز الرسمية الـ30 في ليبيا بين 3 آلاف و6 آلاف شخص في أي لحظة، نحو 20% منهم في حاجة إلى حماية دولية.
وبين عام 2016 وسبتمبر 2025، وثَّقت منظمة Sea-Watch ما لا يقل عن 60 حادثة عنف بحري ارتكبها خفر السواحل الليبي ضد قوارب المهاجرين وسفن الإنقاذ، تضمَّنت إطلاق النار وتخليًّا عن الركاب في عرض البحر وعرقلة عمليات الإنقاذ.
حين لا يعود المركب.. فالمصير هو الغرق:
من لا يُعترَض في البحر يواجه مخاطر الغرق في مركب مكتظ لا يصمد أمام أمواج البحر المتوسط. وقد رصدت الفترة من يناير 2025 حتى منتصف 2026 سلسلة متلاحقة من الكوارث البحرية:
في يناير وفبراير 2025 وحدهما، سُجِّلت 375 حالة وفاة أو اختفاء على طريق البحر المتوسط المركزي، 96% منها بالغرق في مراكب مكتظة، من بينهم 9 أطفال، وهو ما وصفته المنظمة الدولية للهجرة بأنه ناجم عن سفن مكتظة غير صالحة للإبحار وغياب عمليات الإنقاذ.
في يونيو 2025، أعلنت المنظمة عن غرق مركبَين قبالة السواحل الليبية في أيام متقاربة؛ الأول في 12 يونيو قرب ميناء الشعب في طرابلس، لم يُنقَذ منه سوى 5 أشخاص وبقي 21 في عداد المفقودين. وبحلول ذلك التاريخ كانت وفيات المتوسط في 2025 قد بلغت 743 شخصًا على الأقل، منهم 538 على الطريق المركزي وحده.
في 27 أكتوبر 2025، انقلب مركب خشبي قرب صرمان كان قد أبحر من الزاوية، فلقي 18 شخصًا حتفهم وأُنقذ 64 آخرون من السودان وبنغلاديش وباكستان والصومال.
في 3 نوفمبر 2025، أبحر مركب مطاطي من زوارة يقل 49 مهاجرًا (47 رجلًا وامرأتان)، فانقلب بعد ست ساعات إثر توقف محركه في مواجهة الأمواج العالية. ظل الناجون يتقاذفهم البحر ستة أيام قبل أن تنتشل السلطات الليبية 7 منهم فقط، وبقي 42 شخصًا في عداد المفقودين المفترضة وفاتهم، بينهم 29 سودانيًّا و8 صوماليين. وبهذه الكارثة تجاوز عداد الوفيات على الطريق المركزي حاجز الألف حالة في 2025.
بنهاية عام 2025 كاملًا، بلغ إجمالي الوفيات والمفقودين على الطريق المركزي وحده 1,330 شخصًا وفق مصفوفة تتبع النزوح، فيما رصد مرصد يورو-ميد لحقوق الإنسان 1,873 حالة وفاة في عموم البحر المتوسط خلال العام ذاته، وتجاوز الرقم العالمي التراكمي لوفيات الهجرة منذ 2014 حاجز 80 ألف حالة وفق مشروع المهاجرين المفقودين.
ولم يحمل مطلع 2026 أي انحسار للنزيف، بل تسارعه: ففي يناير/كانون الثاني 2026 وحده سجّلت المنظمة 375 حالة وفاة أو فقدان على الطريق المركزي في ما وصفته بـ”حوادث غرق غير مرئية” وسط طقس بالغ القسوة، مرجّحةً أن مئات الوفيات الإضافية لم تُسجَّل أصلًا. ثم جاءت كارثة زوارة: في فجر 6 فبراير/شباط 2026، انقلب قارب مطاطي أبحر من الزاوية ليلًا وعلى متنه 55 شخصًا من جنسيات إفريقية، فبقي 53 منهم -بينهم رضيعان- في عداد الموتى والمفقودين، ولم تُنقَذ سوى امرأتين نيجيريتين؛ فقدت إحداهما زوجها والأخرى طفليها الاثنين. وقد استدعت الكارثة بيانًا من اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب طالبت فيه الدول المعنية بتعزيز قدرات البحث والإنقاذ وفتح مسارات هجرة آمنة ونظامية.
وللمصريين نصيبهم الموثق من هذا النزيف: ففي ديسمبر 2025، تحطَّم مركب قرب جزيرة كريت كان يقل 27 مصريًّا، فوجَّهت الخارجية المصرية سفارتها في اليونان للتواصل مع السلطات اليونانية ودعم أسر الضحايا. وخلال عام 2025 وحده، شحنت الخارجية المصرية على نفقة الدولة 300 جثمان لمواطنين لقوا حتفهم إثر غرق مراكب هجرة قبالة السواحل الليبية. ورصدت تحقيقات صحفية حالات مصريين من محافظة الشرقية لقي ذووهم حتفهم في كارثة غرق قبالة اليونان، فيما يُعتقد أن آخرين من القرية ذاتها لا يزالون محتجزين في ليبيا دون أي تأكيد رسمي لمصيرهم.
ترحيل المصريين من ليبيا:
لماذا يحدث الترحيل؟
تنفِّذ السلطات الليبية عمليات ترحيل المصريين استنادًا إلى القانون الليبي الذي يُجرِّم الدخول والإقامة غير النظاميَّين، وتتذرَّع بها رسميًّا تحت مسمى “تعزيز الأمن ومكافحة الهجرة غير الشرعية“، وذلك ضمن ما تسميه سلطات طرابلس “البرنامج الوطني” لترحيل المهاجرين غير النظاميين بعدما أحصت نحو 3 ملايين مهاجر داخل البلاد، فيما تنفذ سلطات الشرق إجراءات موازية. غير أن الواقع يكشف عن ثلاثة مسارات تُفضي إلى الترحيل: الضبط الميداني خلال الحملات الأمنية في المدن والمواقع الحدودية، والاعتراض البحري قبل إبحار المراكب أو بُعيده، والإفراج المنظَّم بالتنسيق مع الخارجية المصرية عن محتجزين بمراكز الاحتجاز. ولا توجد حدود واضحة بين هذه المسارات؛ فكثير ممن وصفهم الجانب الليبي بـ”المرحَّلين” كانوا في حقيقة الأمر معتقلين قضوا وقتًا في مراكز الإيواء – ومنها مركز “بئر الغنم” جنوب غربي طرابلس الذي تشير تقارير دولية وشهادات حقوقية إلى انتهاكات جسيمة بحق المحتجزين فيه – قبل إخراجهم.
كيف يحدث الترحيل؟
يتم الترحيل عبر مسارَين رئيسيَّين: البري عبر منفذ أمساعد، النقطة البرية الوحيدة بين ليبيا ومصر شمالًا وهو الأكثر شيوعًا؛ والجوي عبر مطار معيتيقة الدولي في طرابلس للدفعات المنظَّمة.
في 8 يوليو 2025، رحَّل جهاز مكافحة الهجرة التابع لحكومة شرق ليبيا 77 مصريًّا من طبرق عبر منفذ أمساعد، في عملية وصفتها منصة اللاجئين في مصر ببيان بأنها “جريمة قانونية وانتهاك إنساني”، مؤكدةً أن الترحيل الجماعي دون تقييم فردي ينتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وكاشفةً أن جهاز الشرق كان قد أعلن في الربع الأول من 2025 وحده ترحيل أكثر من 13 ألف مهاجر من جنسيات مختلفة بينهم مصريون.
في 19 يوليو 2025، رحَّل جهاز الشرق نحو 700 مهاجر سوداني برًّا، وأعلن في اليوم ذاته ترحيل 183 مصريًّا عبر فرع البطنان بالتنسيق مع حرس الحدود والكتيبة 106، جرى 145 منهم عبر مركز الإيواء والترحيل في طبرق. وخلال صيف 2025 عمومًا رصدت المنظمة الدولية للهجرة في تقاريرها الدورية زيادة كبيرة في عمليات الترحيل والاحتجاز شملت ترحيل 1,102 مصري و700 سوداني واحتجاز أكثر من 1,500 مهاجر في مداهمات لمواقع العمل.
في 5 أغسطس 2025، رحَّلت السلطات عشرات المهاجرين المصريين من مركز إيواء شرق طرابلس عبر أمساعد، في عملية جددت منصة اللاجئين وصفها بأنها تنتهك المعايير الدولية، محذرةً من مخاطر صحية وجسدية بسبب ظروف النقل غير الإنسانية وغياب الشفافية، وداعيةً الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في دعمه الفني والمالي لأجهزة حرس الحدود الليبية.
في 22 سبتمبر 2025، أعلن جهاز مكافحة الهجرة في طرابلس، على لسان العميد محمد بريدعة، ترحيل 207 مهاجرين مصريين برًّا في عملية واحدة لإقامتهم بصورة غير قانونية.
في أكتوبر 2025، تكثفت الوتيرة شرقًا: رحَّل فرع البطنان 142 مصريًّا في 19 أكتوبر، ثم 29 مصريًّا في 22 أكتوبر، تلتها دفعة ثالثة في 26 أكتوبر، جميعها عبر منفذ أمساعد/السلوم.
في ديسمبر 2025، تواصل المساران معًا: رحَّل جهاز الشرق 59 مصريًّا عبر أمساعد بإشراف رئيس فرع البطنان اللواء إبراهيم الأربد بعد استكمال الإجراءات القانونية، فيما أعلن جهاز طرابلس إعادة 19 مهاجرًا مصريًّا بينهم قُصَّر جوًّا عبر مطار معيتيقة من مركز احتجاز تاجوراء بعد إعادتهم من البحر، بالتنسيق مع السفارة المصرية، مع بقاء نحو 200 مهاجر بانتظار إعادتهم.
وبنهاية عام 2025، أعلن السفير حداد الجوهري، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية، أن جهود الوزارة أسفرت خلال العام عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن مصري من ليبيا ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1,200 مواطن من السجون الليبية، وشحن 300 جثمان على نفقة الدولة إثر غرق مراكب قبالة السواحل الليبية.
وفي الفترة من يناير حتى نهاية أبريل 2026، أعلنت الخارجية المصرية في بيان رسمي (10 مايو 2026) الإفراج عن 508 مصريين كانوا محتجزين في طرابلس و871 آخرين في بنغازي – بإجمالي 1,379 مواطنًا – وإعادتهم بالتنسيق مع السلطات الليبية، إضافة إلى شحن 94 جثمانًا لمصريين لقوا حتفهم إثر غرق مراكب هجرة خلال الفترة ذاتها، و5 رفات جرى التعرف عليها عبر تحليل البصمة الوراثية بعد العثور عليها قبالة السواحل التونسية.
ما يتعرض له المُرحَّلون
ما يُسمَّى رسميًّا بـ”الترحيل” لا يسير دائمًا وفق ما يوحي به المصطلح. فقد وثَّقت منصة اللاجئين في مصر أن عمليات ترحيل عام 2025 جرت بصورة “تنتهك المعايير الدولية”، إذ نُقل المُرحَّلون في ظروف غير إنسانية مع غياب الشفافية وعدم إخطار ذويهم، ودون أي تقييم فردي أو ضمانات قانونية.
والنموذج الأكثر خطورةً هو ما وثَّقته المنصة بالتفصيل في تقريرها عن الترحيل الجماعي عبر منفذ أمساعد في مايو–يونيو 2023: فبعد حملة أمنية في شرق ليبيا طالت نحو 4,000 مهاجر وفق مصدر أمني مصري نقلته رويترز – فيما قدّرت مصادر حقوقية عدد المعتقلين بأكثر من 12 ألفًا – رُحِّل نحو 2,200 مصري بأن نُقلوا إلى ما قبل الحدود بنحو كيلومترين ثم أُجبروا على السير جماعيًّا على الأقدام نحو الحدود المصرية دون طعام أو ماء، مع رفض القوات الأمنية والعسكرية المرافقة تقديم أي منهما، وقد أظهرت مقاطع الفيديو المصورة مئات المصريين في صفوف طويلة محاطين بمسلحين وسيارات عسكرية. بل كشف التقرير مفارقة أشد: السلطات المصرية أعادت نحو ألفي مواطن منهم إلى ليبيا مرة أخرى لحظة ترحيلهم بوصفهم “عمالة مصرية موجودة في الأراضي الليبية” وفق تصريح رئيس جهاز مكافحة الهجرة الليبي آنذاك، وأن بعض المحتجزين كانوا يحملون تصاريح إقامة ليبية سارية أو كانوا في طور إجراءات لجوء ودخلوا البلاد بتأشيرات رسمية. وتكرار توصيفات مماثلة في بيانات المنصة عن ترحيلات يوليو وأغسطس 2025 يؤكد استمرار النمط ذاته لا انقطاعه.
أما على صعيد ما بعد الوصول إلى مصر، فإن كثيرًا من المُرحَّلين يعودون خاليي الوفاض تمامًا: فقدوا مدَّخراتهم في رسوم التهريب، ولا يملكون وثائق هوية بعد مصادرتها في ليبيا، وقد تجمَّعت عليهم ديون باهظة لشبكات التهريب مستحقة السداد. ويخضع العائدون عند العبور لإجراءات تحقق أمني وتثبت من الجنسية، وقد صرّح مدير عام مصلحة الجمارك المصرية إبان ترحيلات 2023 بأن كثيرين منهم خرجوا “بحسن نية” بحثًا عن العمل فيما لآخرين “سجلات جنائية” و مطلوبون للعدالة.
وهنا يلزم تدقيق قانوني جوهري: قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين رقم 82 لسنة 2016 ينص صراحةً في مادته الثانية على عدم مسؤولية المهاجر المهرَّب جنائيًّا -أي أن المشرّع المصري ذاته يقرّ بأنه ضحية لا مجرم، وهو ما ذكّرت به منصة اللاجئين السلطات المصرية في بيانها الرسمي- ومع ذلك يواجه بعض العائدين عمليًّا احتجازًا مؤقتًا ومساءلات على خلفيات أخرى، في تطبيق يتناقض مع روح النص. ويُضاف إلى ذلك كله الضغط النفسي الهائل لعائلات لم تُخطَر بالترحيل مسبقًا وتعيش ضبابية تامة عن مصير ذويها، وهي المعاناة التي تجسدت في لقاءات مساعد وزير الخارجية المتكررة مع أكثر من 200 من عائلات المصريين “المتغيبين” داخل الأراضي الليبية، ومصطلح “المتغيبين” الرسمي ذاته اعترافٌ ضمني بأن الدولة لا تملك حصرًا لمواطنيها المحتجزين لدى الجانب الليبي.